syriavest
آراءالنخبة

أزمة الصناعة السورية: بين وهم “المؤامرة الخارجية” وحتمية “التحديث الهيكلي”

🧠✒️: محمد تيسير طرقجي

تحفل المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي بقراءات مسطحة للمشهد الاقتصادي السوري، ولعل أبرز تجليات هذا التسطيح هو ما تسوقه بعض التقارير—مثل تقارير قناة “ستيب”—التي تختزل دمار الصناعة السورية في فرضيات المؤامرات الخارجية، وتصوير الأمر كخطط ممنهجة تقودها قوى إقليمية مثل تركيا، أو واجهات محددة كأحمد الشرع (الجولاني)، بهدف “إغراق السوق السورية بالبضائع التركية وقتل الإنتاج المحلي”.

إن خطورة هذا الطرح لا تكمن فقط في تزييفه للواقع، بل في كونه يمنح المصنع والمسؤول السوري “شماعة خارجية” يعلق عليها الفشل، مما يحرم الاقتصاد من فرصة التشخيص الحقيقي والعلاج البنيوي. فما هي الحقيقة الاقتصادية وراء أزمة التنافسية السورية؟ وكيف تبدو خارطة الطريق للعبور نحو المستقبل؟

1. دفيئة الحماية الجمركية: صناعة ولدت في “العناية المركزة”

الحقيقة التي يتهرب الكثيرون من مواجهتها هي أن الصناعة السورية—قبل عام 2011—لم تكن قوة اقتصادية مرنة ومنافسة دوليًا لا من حيث الجودة ولا من حيث السعر. بل كانت صناعة “محمية جداريًا” خلف أسوار جمركية شاهقة وسياسات منع استيراد صارمة.
هذا النموذج الحمائي لم يخلق صناعة قوية، بل خلق بيئة احتكارية دافئة عاشت فيها المصانع المحلية على حساب المستهلك السوري، الذي أُجبر على شراء منتجات أقل جودة وبأسعار مرتفعة لغياب البديل. وبمجرد الانفتاح الجزئي على الأسواق الإقليمية والمجاورة (التي لا تضع الجودة كمعيار صارم)، بدأت العيوب الهيكلية تظهر، وتكشّف عجز المنتج السوري عن الصمود في أي اختبار حقيقي لـ “مقارنة الجودة والسعر” (Quality\ and\ Price\ Benchmarking) على الصعيد الدولي.

1. معضلة العقلية الاستثمارية: الربح السريع وإهمال التطور

إن التشخيص الدقيق للأزمة يكشف عن قصور ذاتي عميق في “العقلية الاستثمارية” للصناعي السوري، والتي اعتادت على نمط أرباح غير معهود في الأعراف الصناعية العالمية.
تأسست الثقافة الاستثمارية المحلية على فرضية بائدة: “استرداد كامل رأس المال الثابت والتشغيلي في غضون 3 إلى 5 سنوات فقط”. وفي سبيل تحقيق هذا الهامش الربحي الخيالي والسريع، تم التضحية بأركان الاستدامة الصناعية:
تجميد التطوير التكنولوجي (Technological\ Stagnation): ساد العرف بشراء خطوط إنتاج مستعملة أو تقليدية وإهلاكها حتى الرمق الأخير، دون رصد أي ميزانيات حقيقية للبحث والتطوير (R&D). والنتيجة حتمية: خطوط إنتاج ذات استهلاك طاقة مرتفع وهدر هائل في المواد الخام، مما يرفع التكلفة تلقائيًا.
إدارة الشخص الواحد (One\ Man\ Show): افتقرت المنظومة إلى “التنمية الإدارية” والفصل بين الملكية والإدارة، وظلت المصانع تُدار كعقليات عائلية مغلقة تفتقر للحوكمة وعاجزة عن تطبيق معايير ضبط الجودة العالمية (مثل الـ Six\ Sigma أو شهادات الـ ISO).
عندما انفتحت الأسواق، واجهت هذه العقلية منظومات عالمية تعمل وفق هوامش ربح صغيرة وصارمة (Marginal\ Profits) تعتمد على حجم الإنتاج الكبير وضخامة المبيعات لتخفيض التكلفة (Economies\ of\ Scale)، فكانت الصدمة والعجز عن التكيف.

1. واقع الشمال الغربي والتبعية القسرية



إن إقحام التغيرات السياسية الأخيرة في الشمال الغربي وتصويرها كأداة تركية مقصودة لضرب الصناعة، يغفل بديهيات الجغرافيا والاقتصاد. فالسياسات الحالية في تلك المناطق (المحسوبة على حكومة الانفتاح الاقتصادي والتحول الإداري بقيادة أحمد الشرع) تحاول مؤخرًا جذب الرساميل عبر مدن صناعية مثل (منطقة باب الهوى الصناعية).
لكن العائق أمام هذه المشاريع ليس “رغبة تركية بالتدمير”، بل محددات هيكلية قاسية

1 غياب المنظومة المصرفية الدولية:

لا يمكن لأي صناعة أن تصدر وتنافس في غياب نظام بنكي معترف به (SWIFT) يتيح فتح الاعتمادات المستندية.

2 ارتباط سلاسل التوريد:

وقوع المنطقة كممر إجباري للمواد الخام والطاقة عبر تركيا يربط تكلفة المنتج السوري هناك بمعدلات التضخم وأسعار الطاقة التركية تلقائيًا، وهو ترابط اقتصادي فرضه واقع الصراع وليس مؤامرة مدبرة.

1. خارطة الطريق: كيف تصارع الصناعة السورية وتنافس عالميًا؟

إن الرد الحقيقي على تقارير التباكي ليس بإغلاق الحدود والعودة إلى سياسات العزل الحمائية، بل بطرح رؤية اقتصادية مستقبلية شجاعة تتلخص في المحاور التالية:
التحول نحو “التصنيع للتصدير” (Export\text{-}Oriented\ Architecture): يجب أن تُصمم المصانع السورية الجديدة لكي تبيع للخارج أولاً وتلبي المعايير العالمية. المنتج الذي ينجح في فرض نفسه في أسواق دبي أو برلين، سيقود السوق المحلي تلقائيًا ويهزم أي بضاعة مستوردة.
التركيز على الميزات التنافسية الكامنة: بدلًا من تشتيت الرساميل في محاولة إنتاج كل شيء، يجب التركيز على قطاعات تمتلك فيها سوريا ميزات نسبية تاريخية:
الصناعات الغذائية التحويلية المتقدمة: بتعبئة وتغليف ومواصفات تطابق المعايير الأوروبية والعالمية.
النسيج والملبوسات الذكية: بالانتقال من الورش التقليدية إلى علامات تجارية محلية قوية تستغل مرونة العمالة السورية الماهرة للمنافسة في قطاع الأزياء السريعة العالمية.
الصناعات الدوائية والكيميائية الدقيقة: التي كانت رائدة إقليميًا، وتطويرها لتنال اعترافات منظمة الصحة العالمية.
بناء البيئة التمكينية (Enabling\ Environment): الصانع السوري ليس بحاجة لوعود سياسية أو جدران جمركية، بل هو بحاجة إلى طاقة رخيصة ومستدامة (عبر الاستثمار الواسع في الطاقة البديلة والكهروضوئية لخفض الـ Fixed\ Costs)، وإلى قوانين مرنة تحمي حركة رأس المال وتكافح البيروقراطية والإتاوات والفساد الإداري الذي يرفع تكلفة الإنتاج أكثر مما ترفعه الضرائب.

خاتمة
إن الأسواق العالمية المنفتحة لا ترحم من يرفض التطور، وقوانين العرض والطلب والكفاءة لا تعترف بالحدود السياسية. إن من يطالب اليوم بحظر البضائع الأجنبية لحماية منتج محلي رديء ومرتفع السعر، إنما يطالب بمعاقبة المواطن السوري مرتين: مرة بحرمانه من خيارات أفضل، ومرة بإبقاء الاقتصاد السوري خارج قطار التاريخ الحديث.
التحدي الحقيقي ليس في “منع البضائع التركية أو الصينية”، بل في كيف نجعل المصنع السوري كفؤًا ومطورًا لدرجة تُمكّنه من بيع منتجاته في إسطنبول وغازي عنتاب قبل دمشق وحلب وإدلب.

المنشورات ذات الصلة

برنجكجي: إلزام الأسواق بالعملة الجديدة حصراً

Samer Al-Bashlawi

📢 بادي والحايك توفر أجهزة الـ Ultrasonic (الوزوزيات) الأصلية بأعلى المواصفات! 🚀

Samer Al-Bashlawi

درة الصناعة الحمصية: زيارة ميدانية لشركة “الدقة” للغرانيت.

Samer Al-Bashlawi