✍️بقلم: المحامي الدكتور إيهاب أحمد أبو الشامات*
*لم يعد السؤال في سوريا اليوم: كم يبلغ راتبك؟*
*بل أصبح السؤال الحقيقي: كيف تعيش أصلًا؟
*ما نشهده اليوم لم يعد استثناءً، بل تحوّل إلى نمط اقتصادي قائم بذاته، حيث انتقل جزء كبير من النشاط من السوق التقليدي إلى فضاء رقمي غير منظم، تقوده الحاجة أكثر مما تنظّمه القوانين.*
*هذا التحوّل لم يولد فجأة، بل جاء نتيجة تراكمات طويلة من التحديات الاقتصادية التي مرّ بها السوريون خلال سنوات الثورة، وما رافقها من تحولات اقتصادية متراكمة، في ظل إرث معقّد من السياسات الاقتصادية للنظام البائد، حيث وجد كثيرون أنفسهم خارج دائرة السوق التقليدي، ما دفعهم إلى البحث عن بدائل عملية للبقاء.*
*في هذا السياق، لم تعد الوظيفة وحدها كافية، ولم يعد فتح مشروع تقليدي خيارًا متاحًا للجميع.*
*لكن، وفي المقابل، ظهر شكل جديد من الاقتصاد ؛اقتصاد بسيط في أدواته، واسع في انتشاره، وفعّال في نتائجه.*
*هذا الاقتصاد لا يظهر في الإحصاءات الرسمية، ولا يُقاس بسهولة، لكنه حاضر بقوة في الحياة اليومية… داخل الهواتف المحمولة.*
*وخلال متابعتي اليومية لهذا النوع من النشاط، يتضح أن ما يجري لم يعد مجرد مبادرات فردية متفرقة، بل أصبح سلوكًا اقتصاديًا متكررًا وواسع الانتشار.*
*يكفي أن تتصفح أي مجموعة على فيسبوك لتدرك حجم هذا التحوّل سيدة تعرض وجبات منزلية جاهزة للتوصيل، شاب يبيع ملابس دون أن يمتلك محلًا، حسابات على إنستغرام تروّج لمنتجات متنوعة، وآخرون يعملون كوسطاء بين البائع والمشتري دون امتلاك البضاعة. حتى الأثاث لم يعد يحتاج إلى معرض.*
*صفحات (بيع وشراء) تعجّ بإعلانات الأجهزة والغرف المنزلية، وصفقات تُنجز خلال ساعات بين أشخاص لم يلتقوا من قبل.*
*هذه النماذج، على بساطتها، لم تعد حالات فردية، بل أصبحت نمطًا متكررًا يشكّل جزءًا من الواقع الاقتصادي اليومي*.
*ببساطة… عندما تضيق الخيارات، يبتكر الناس بدائلهم. لكن هذا الواقع يحمل مفارقة واضحة.*
*فهذا الاقتصاد، رغم أنه ساهم في تأمين مصادر دخل لآلاف الأسر، إلا أنه يعمل خارج أي إطار تنظيمي واضح.*
*لا توجد رقابة حقيقية، ولا ضمانات كافية لحقوق المستهلك، ولا معايير ثابتة للجودة أو التسعير.*
*نحن أمام اقتصاد ينمو بسرعة… لكنه بلا قواعد. ومن زاوية قانونية، فإن هذا النمط من النشاط الاقتصادي تشكّل خارج الأطر الرسمية نتيجة ظروف معقدة، وهو اليوم يفرض نفسه كواقع لا يمكن تجاهله، بل يستدعي مقاربة مختلفة تقوم على الفهم والتنظيم التدريجي، بدل المواجهة أو الإقصاء.*
*وفي المقابل، يبرز في المرحلة الراهنة اتجاه عام نحو التفكير بتنظيم الفضاء الرقمي والنشاط الاقتصادي المرتبط به، في محاولة لإعادة التوازن بين الحاجة إلى المرونة التي أوجدت هذا الاقتصاد، ومتطلبات الحماية والتنظيم التي يفرضها أي نشاط اقتصادي مستدام.*
*وهنا تبرز المعادلة الأكثر حساسية:*
*كيف يمكن تنظيم هذا الواقع دون أن يفقد الناس مصدر دخلهم الأساسي؟*
*فالمرحلة الحالية لا تحتمل حلولًا تقليدية، بل تتطلب قراءة دقيقة لهذا الواقع، باعتباره جزءًا من الحل، لا مجرد مشكلة.*
*لأن القضية لم تعد اقتصادية فقط، بل تمسّ طبيعة المجتمع نفسه، حيث تتشكل أنماط جديدة من العمل والعلاقات، ويُعاد تعريف مفهوم السوق من جديد.*
*وربما الحقيقة الأكثر وضوحًا اليوم:*
*أن السوري لم ينتظر… بل تصرّف.*
*قد لا يكون هذا الاقتصاد مثالياً، وقد يحمل في داخله الكثير من التحديات،لكن بالنسبة لكثيرين… هو ما أبقاهم قادرين على الاستمرار.*
*وفي ظل هذا الواقع،لم يعد السؤال: هل هذا الاقتصاد قانوني؟*
*بل أصبح: كيف يمكن التعامل معه بوصفه واقعًا قائمًا، دون أن نخسر الناس الذين يعتمدون عليه؟*

