16/10/2026
syriavest
آراءالنخبة

الأمن المائي في سورية.. استثمار في الاقتصاد وحماية لمستقبل الأجيال

🔴✍️بقلم: مازن كنينه – عضو مجلس إدارة غرفة تجارة ريف دمشق

في عالم تتزايد فيه التحديات الاقتصادية والمناخية، لم تعد قوة الدول تُقاس بما تمتلكه من موارد طبيعية فحسب، بل بقدرتها على إدارتها واستثمارها والاستعداد للمخاطر التي قد تهدد استدامتها. وتأتي المياه في مقدمة هذه الموارد، باعتبارها أساساً للحياة والإنتاج الزراعي والصناعي، وركيزة لا يمكن تجاهلها في أي مشروع تنموي طويل الأجل.
ومن وجهة نظر اقتصادية، فإن الأمن المائي لم يعد ملفاً خدمياً محدوداً، بل أصبح جزءاً من معادلة الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي وحماية فرص النمو. فالمياه ترتبط بالأرض والإنتاج والأسواق، وأي خلل في توافرها أو إدارتها ينعكس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على تكاليف الإنتاج ودخل المزارعين واستقرار الصناعات المرتبطة بالقطاع الزراعي.
وبالنسبة إلى سورية، فإن أهمية هذا الملف تزداد مع الحاجة إلى تعزيز الإنتاج المحلي، وتنشيط الزراعة والصناعة، وبناء مقومات تعافٍ اقتصادي قوي.
وهذا يتطلب الانتقال من التعامل مع المياه بوصفها حاجة يومية إلى النظر إليها باعتبارها ثروة وطنية تحتاج إلى تخطيط واستثمار وحماية.
المياه.. أساس الإنتاج قبل أن تكون مورداً للاستهلاك عندما تتراجع الموارد المائية، لا تكون المشكلة محصورة في نقص مياه الري، بل تمتد إلى كامل الدورة الاقتصادية. فالمزارع الذي لا يستطيع ضمان احتياجات أرضه المائية يواجه مخاطر أكبر في الإنتاج، والمنشأة الصناعية التي تعتمد على مواد أولية زراعية تتأثر بتراجع المحاصيل، كما تنعكس اضطرابات الإنتاج على الأسواق والأسعار وسلاسل التوريد.
في المقابل، فإن تحسين توافر المياه ورفع كفاءة استخدامها يمنحان المنتجين قدرة أكبر على التخطيط، ويشجعان الاستثمار في الأراضي والمنشآت الإنتاجية، ويساعدان على حماية فرص العمل وتعزيز القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.
لهذا السبب، ينبغي النظر إلى المشاريع المائية باعتبارها استثمارات ذات عائد اقتصادي طويل الأجل، لا مجرد نفقات على البنية التحتية. فالعائد الحقيقي لا يتمثل فقط في كمية المياه التي يمكن تخزينها، بل أيضاً في الإنتاج الذي تساعد على حمايته، والخسائر التي يمكن تجنبها، والاستقرار الذي توفره للقطاعات المعتمدة عليها.
السدود والبحيرات.. كيف نحول مياه الأمطار إلى ثروات؟
من أبرز التحديات التي تواجه إدارة الموارد المائية التفاوت بين مواسم الهطول وفترات الحاجة إلى المياه. فقد تهطل كميات مهمة من الأمطار خلال فترة قصيرة، ثم تتراجع الموارد المتاحة في أشهر الصيف، بينما تستمر الحاجة إلى الري والاستخدامات المختلفة.
وهنا تبرز أهمية تأهيل السدود القائمة، ودراسة إنشاء سدود صغيرة ومتوسطة، والتوسع المدروس في البحيرات الاصطناعية وأحواض تجميع مياه الأمطار، وفق دراسات فنية واقتصادية وبيئية تحدد المواقع المناسبة والسعات التخزينية والعائد المتوقع.
إن هذه المشاريع يمكن أن تسهم في توفير مياه إضافية للري، والحد من هدر مياه السيول، وتعزيز تغذية المياه الجوفية في المواقع الملائمة، وتقليل تعرض النشاط الزراعي لتقلبات الهطول المطري.
لكن الأولوية لا ينبغي أن تكون لبناء منشآت جديدة فحسب؛ فقد يكون تأهيل سد قائم أو تحسين كفاءة شبكة ري أكثر جدوى من إنشاء مشروع جديد في بعض المناطق. والمطلوب هو دراسة كل خيار وفق تكلفته وعائده واحتياجات المنطقة التي يخدمها.
إن بناء منظومة متكاملة لتجميع المياه وتخزينها وتوزيعها يمثل خطوة أساسية نحو إدارة أكثر كفاءة للموارد، ويمنح التخطيط الزراعي والاقتصادي مساحة أوسع للاستقرار والاستمرارية.
آبار التجميع الجبلية.. حلول عملية تستحق الدراسة
إلى جانب المشاريع الكبرى، هناك حلول محلية يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في تعزيز الأمن المائي، ولا سيما في المناطق الجبلية والريفية، من خلال إنشاء خزانات وأحواض لحصاد مياه الأمطار، وتجهيز آبار مخصصة للتجميع حيث تسمح طبيعة الأرض والدراسات الهيدرولوجية بذلك.
وقد تساعد هذه المشاريع على توفير مصادر مياه أقرب إلى القرى والأراضي الزراعية، وتخفيف بعض تكاليف نقل المياه، ودعم المجتمعات المحلية في مواجهة فترات الشح.
وتكمن أهميتها في إمكانية تنفيذها تدريجياً وفق الأولويات والإمكانات المتاحة، بحيث تتكامل مع مشاريع السدود والمنشآت الكبرى بدلاً من أن تكون بديلاً عنها.
غير أن نجاحها يرتبط بحسن اختيار المواقع، وضمان جودة المياه، والصيانة المستمرة، ومراعاة قدرة المصادر الجوفية على التجدد. فالمطلوب ليس زيادة عدد الآبار، وإنما تحقيق استفادة مستدامة من الموارد المتاحة، من دون استنزافها أو الإضرار بالتوازن المائي والبيئي.
الأمن المائي والأمن الغذائي.. علاقة تحدد مستقبل الإنتاج لا يمكن بناء قطاع زراعي مستقر من دون إدارة رشيدة للمياه. فكل تحسن في كفاءة الري وتوافر المياه ينعكس على قدرة المزارع على التخطيط، وعلى استقرار إمدادات المحاصيل، وعلى الصناعات الغذائية التي تعتمد على الإنتاج المحلي.
ومن هنا، فإن مشاريع التخزين ينبغي أن تترافق مع تحديث شبكات الري، وتقليل الفاقد، وتشجيع التقنيات الحديثة، واختيار المحاصيل التي تتناسب مع الموارد المتاحة. فالهدف ليس زيادة استهلاك المياه، بل رفع إنتاجية كل متر مكعب منها.
كما أن الربط بين سياسات المياه والزراعة والصناعة يساعد على توجيه الموارد نحو الاستخدامات الأكثر جدوى، ويعزز فرص إقامة مشاريع إنتاجية قادرة على توفير فرص العمل وزيادة القيمة المضافة داخل سورية.
وهذا الجانب مهم بصورة خاصة في مرحلة التعافي الاقتصادي، حيث تحتاج عملية تنشيط الإنتاج إلى بنية تحتية موثوقة، وإلى تخفيض المخاطر التي قد تعيق استثمار رأس المال في القطاعات الزراعية والصناعية.
المياه وصراعات المستقبل الاستعداد مسؤولية اقتصادية تتزايد التحذيرات من أن يصبح التنافس على المياه مصدراً لمزيد من التوترات في بعض مناطق العالم، خصوصاً في الأحواض المائية المشتركة ومع تراجع الموارد في مناطق مختلفة، قد تتسع آثار هذا التنافس لتشمل الأمن الغذائي والتكاليف الاقتصادية وفرص التنمية.
لكن الاستجابة لهذه المخاطر لا تبدأ عند وقوع الأزمة، بل من خلال التخطيط المبكر، وتنويع مصادر المياه، وحماية الأحواض الجوفية، وتطوير أنظمة الرصد، وتحسين كفاءة الاستخدام، وتعزيز التعاون في إدارة الموارد المشتركة.
وبالنسبة إلى سورية، فإن الاستعداد للمستقبل المائي يرتبط بحماية الإنتاج الزراعي، ودعم المجتمعات الريفية، وتوفير ظروف أكثر استقراراً للنشاط الاقتصادي.
كما أن تطوير المنشآت المائية وصيانتها يندرج ضمن حماية البنية الإنتاجية للبلاد، والحد من الخسائر التي قد تنجم عن مواسم الجفاف.
إن الاستثمار في الوقاية والتخطيط أقل مخاطرة من انتظار تفاقم المشكلات، ثم محاولة التعامل مع آثارها بعد وقوعها.
سورية نحو استراتيجية مائية تدعم التعافي الاقتصادي إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى رؤية وطنية متكاملة للأمن المائي، تبدأ بتقييم واقع السدود والمنشآت القائمة، وتحديد احتياجات التأهيل والصيانة، وحصر المناطق التي يمكن أن تستفيد من مشاريع حصاد الأمطار والتخزين المحلي.
كما تتطلب هذه الرؤية بيانات دقيقة عن الموارد المتاحة ومعدلات الاستهلاك والاحتياجات المستقبلية، حتى تُوجَّه الاستثمارات إلى المشاريع الأكثر أهمية وجدوى، مع مراعاة الجوانب الفنية والبيئية والقدرة على التشغيل والصيانة.
ويمكن للقطاع الخاص، بالتعاون مع الجهات المعنية، أن يسهم في تطوير تقنيات ترشيد المياه، وتحسين كفاءة الري، وتمويل المشاريع المناسبة ضمن أطر قانونية واضحة تضمن الاستدامة والمصلحة العامة.
والأهم أن تتحول الخطط إلى برامج تنفيذية ذات أولويات محددة، ومتابعة مستمرة، ونتائج قابلة للقياس. فنجاح المشروع لا يُقاس بإنجازه فقط، بل بقدرته على تأمين المياه وخدمة الإنتاج وتحقيق منفعة مستدامة للمجتمع والاقتصاد.
خلاصة القول إن الأمن المائي ليس قضية منفصلة عن الاقتصاد، بل هو أحد الأسس التي يقوم عليها الأمن الغذائي واستقرار الإنتاج والتنمية المستدامة وتأهيل السدود، وإنشاء البحيرات وأحواض حصاد مياه الأمطار، وتطوير آبار التجميع حيث تسمح الظروف الفنية، كلها خيارات يمكن أن تشكل جزءاً من استراتيجية وطنية تحمي الموارد وتدعم مستقبل الإنتاج في سورية

والرهان الحقيقي لا يكمن في حجم المنشآت التي نبنيها، بل في قدرتنا على إدارة المياه بكفاءة، وحمايتها من الهدر والاستنزاف، وتوجيهها نحو الاستخدامات التي تحقق أفضل عائد اقتصادي واجتماعي.
إن الاستثمار في المياه هو استثمار في الأرض والمزارع والصناعة وفرص العمل، وهو أيضاً استعداد مسؤول لمستقبل قد تصبح فيه الموارد المائية أكثر أهمية في تحديد مسارات التنمية والاستقرار.
فالماء الذي نحسن إدارته اليوم هو جزء من ثروة الغد، وحمايته ليست مسؤولية قطاع واحد، بل ركيزة أساسية في بناء اقتصاد سوري أكثر قدرة على الإنتاج والتعافي والاستمرار.

المنشورات ذات الصلة

ضمانات الاستثمار تفتح أبواب سورية أمام رؤوس الأموال… وإعادة الإعمار تدخل مرحلة جديدة

Samer Al-Bashlawi

الاقتصاد الرقمي في سوريا… من الشعارات إلى شروط النهوض

Samer Al-Bashlawi

الاحتراق الوظيفي: حين يموت الموظف وهو على قيد الحياة

Samer Al-Bashlawi