16/10/2026
syriavest
آراءالنخبةتكنولوجيا

الاقتصاد الرقمي في سوريا… من الشعارات إلى شروط النهوض

بقلم: د. محمد عمار دلول

لم تعد التكنولوجيا قطاعاً منفصلاً عن الاقتصاد، ولا ترفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد إعادة الإعمار. فهي اليوم جزء من قدرة الدولة على تحسين خدماتها، ومن قدرة الشركات على الإنتاج والمنافسة، ومن قدرة الشباب على إيجاد فرص عمل داخل بلادهم. لكن تحويل سوريا إلى بيئة جاذبة للمشاريع الرقمية لا يبدأ بإطلاق اسم كبير على مدينة أو منطقة، بل ببناء الأساس الذي يسمح لهذه المشاريع بالعمل والاستمرار.

وسواء طُرحت فكرة «وادي السيليكون» في حمص أو في دمشق أو في أي محافظة أخرى، فإن نجاحها يرتبط بأسئلة عملية: هل تتوفر كهرباء مستقرة؟ هل يستطيع المستثمر الاعتماد على الإنترنت والاتصالات؟ هل يمكن للشركات الدفع والتحصيل والتحويل؟ وهل توجد تشريعات واضحة تحمي الاستثمار والبيانات والملكية الفكرية؟

واقع واحد بتحديات متفاوتة

تختلف احتياجات المحافظات السورية بحسب طبيعتها الاقتصادية والسكانية، لكن التحدي الأساسي مشترك: ضعف البنية التحتية الرقمية والطاقة، وتفاوت مستوى الخدمات، وارتفاع كلفة التشغيل. فالشركة الناشئة في دمشق، والمصنع في حلب، والمشروع الزراعي في الجزيرة، والمبادرة التقنية في حمص أو الساحل، جميعها تحتاج إلى اتصال موثوق وكهرباء قابلة للاعتماد وخدمات مصرفية تساعدها على العمل.

ولا يكفي أن نقول إن الإنترنت متاح؛ المطلوب أن يكون سريعاً ومستقراً ومناسب الكلفة، وأن تصل الألياف الضوئية إلى الجامعات والمناطق الصناعية ومراكز الأعمال والمستشفيات. كما ينبغي توفير مسارات اتصال احتياطية للمواقع الحيوية، وتوسيع تغطية شبكات الهاتف المحمول وفق حاجة كل منطقة، بالتوازي مع حلول عملية للطاقة ومصادر احتياطية للمنشآت التي لا تحتمل الانقطاع.

التكنولوجيا تحتاج إلى اقتصاد يعمل

تستطيع الشركات السورية الاستفادة من الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، حتى قبل إنشاء مراكز بيانات ضخمة في كل مدينة. ويمكن البدء بتطبيقات تحل مشكلات يومية في الصناعة والزراعة والصحة والنقل والتجارة، ثم توسيعها تدريجياً بحسب الإمكانات والنتائج.

لكن هذه المشاريع لن تنمو إذا بقيت الشركات عاجزة عن استقبال المدفوعات من الخارج، أو تسديد تكاليف الخدمات التقنية، أو تحويل الأموال إلى الموردين والشركاء. لذلك فإن تطوير المصارف والمدفوعات الإلكترونية، وتسهيل التحويلات المشروعة، وتعزيز الثقة والامتثال المالي، جزء من البنية التحتية الرقمية نفسها.

تشريعات واضحة وتمويل مناسب

يحتاج الاستثمار الرقمي إلى قواعد مستقرة تحمي البيانات والخصوصية والملكية الفكرية، وتنظم العقود والتوقيع الإلكتروني والتجارة الرقمية. كما تحتاج الشركات الناشئة إلى إجراءات تأسيس وترخيص مفهومة، وبيئة ضريبية لا تضع أعباء مبكرة على المشاريع قبل أن تتمكن من النمو.

ولا يناسب تمويل المشاريع التقنية أن يعتمد حصراً على الضمانات العقارية التقليدية؛ فالكثير من هذه المشاريع يقوم على المعرفة والفريق والمنتج القابل للتوسع. ومن هنا تبرز الحاجة إلى برامج تمويل للمشاريع الناشئة، وحاضنات ومسرّعات أعمال، وصناديق استثمار قادرة على دعم الأفكار الواعدة وربطها بالأسواق.

خطة وطنية تبدأ من الاحتياجات الفعلية

تحتاج سوريا إلى خطة رقمية وطنية تُبنى على بيانات ميدانية لكل محافظة، لا على متوسطات عامة أو عناوين كبيرة. تبدأ الخطة بحصر واقع الكهرباء والاتصالات والإنترنت، ثم تحديد الجامعات والمناطق الصناعية والتجارية التي ينبغي إعطاؤها الأولوية، ووضع أهداف قابلة للقياس لجودة الخدمة وسرعتها وكلفتها.

وبالتوازي، ينبغي تأهيل الكفاءات المحلية وربط الجامعات باحتياجات سوق العمل، وتشجيع الشركات السورية على تطوير حلول قابلة للبيع داخل البلاد وخارجها. كما تستطيع الشراكات الإقليمية أن تسرّع هذا المسار، إذا شملت نقل المعرفة والتدريب وبناء الشركات والقدرات المحلية، إلى جانب التمويل.

لا تحتاج سوريا إلى إعلان «وادي سيليكون» جديد قبل أن تضمن أساسيات العمل الرقمي في مدنها. ما تحتاجه هو كهرباء واتصالات يمكن الاعتماد عليها، ومؤسسات مالية أكثر قدرة على خدمة الأعمال، وقواعد واضحة للاستثمار، وفرص حقيقية للشباب والشركات. عندها تصبح المشاريع الرقمية الكبيرة نتيجة طبيعية لبيئة جاهزة، لا مجرد شعار يسبق الواقع.

المنشورات ذات الصلة

ضمانات الاستثمار تفتح أبواب سورية أمام رؤوس الأموال… وإعادة الإعمار تدخل مرحلة جديدة

Samer Al-Bashlawi

🌐 سيمنز لـ “سيريا فيست”: التصنيع الرقمي هو مفتاح المنافسة العالمية لصناعة الإسمنت في سوريا

Samer Al-Bashlawi

الأمن المائي في سورية.. استثمار في الاقتصاد وحماية لمستقبل الأجيال

Samer Al-Bashlawi