🔴✅✍️بقلم: مازن كنينه عضو مجلس إدارة غرفة تجارة ريف دمشق
لقاءات نوعية نشهدها حاليا في الشأن الاقتصادي على كافة الصعد ليس آخرها ماقامت به وزارة المالية اذ لا تُقاس أهمية الخطوات الاقتصادية بحجم الإعلان عنها، بل بما تحققه على أرض الواقع. ومن هذا المنطلق، يشكّل الاتفاق على إنشاء الصندوق الائتماني للتعافي وإعادة الإعمار في سورية (START)، بالتعاون مع مجموعة البنك الدولي، فرصة مهمة لتنظيم الدعم الدولي وتوجيهه نحو أولويات التعافي وإعادة الإعمار.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في قدرتها على حشد مساهمات الشركاء الدوليين ضمن إطار أكثر تنسيقًا، لكن الأثر الاقتصادي الحقيقي للصندوق سيبقى مرتبطًا بمدى نجاحه في تحويل التمويل إلى مشاريع تسهم في تنشيط الإنتاج، وتحسين بيئة الاستثمار، وتوفير فرص العمل.
من التمويل إلى الإنتاج.. جوهر التعافي الاقتصادي تحتاج سورية إلى توظيف الموارد المتاحة بما يحقق أثرًا اقتصاديًا كبيرا فإعادة تأهيل البنية التحتية، ولا سيما في قطاعات الطاقة والنقل والمياه، لا تقتصر على تحسين الخدمات، بل تساعد على خفض تكاليف الإنتاج، وتسهيل حركة السلع، وتعزيز قدرة المنشآت على استعادة نشاطها والتوسع.
كما أن ربط مشاريع إعادة الإعمار باحتياجات القطاعات الإنتاجية يرفع من جدواها الاقتصادية. فاستقرار الطاقة يدعم تشغيل المصانع، وتحسين النقل والخدمات اللوجستية يسهم في تقليل تكاليف وصول المنتجات إلى الأسواق، فيما يفتح دعم الزراعة والتصنيع الغذائي فرصًا أوسع لزيادة القيمة المضافة داخل الاقتصاد السوري.
ومن هنا، تبرز أهمية ترتيب الأولويات على أساس الجدوى الاقتصادية، مع الاهتمام بالمشاريع القادرة على تحريك النشاط الإنتاجي وتوليد الدخل، بالتوازي مع تلبية الاحتياجات الخدمية الأساسية. التمويل وضمانات الاستثمار..دور أساسي للقطاع الخاص يحتاج التعافي إلى أدوات تمويل تتناسب مع احتياجات الاقتصاد السوري، وتساعد على تشجيع الاستثمار. فالتمويل الميسّر يمكن أن يخفف الأعباء عن المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية، فيما تسهم ضمانات الاستثمار في الحد من بعض المخاطر وتشجيع المستثمرين على دراسة فرص جديدة.
ومن وجهة نظري، كعضو في مجلس إدارة غرفة تجارة ريف دمشق، فإن نجاح هذه الخطوة يرتبط بمدى قدرتها على تلبية احتياجات السوق الفعلية، والاستفادة من خبرات القطاع الخاص في تحديد الأولويات وتحويل الفرص إلى مشاريع قابلة للتنفيذ. فالتاجر والصناعي والمنتج شركاء أساسيون في مرحلة التعافي، لما يمتلكونه من خبرة في الأسواق والإنتاج والتشغيل، ولما يمكن أن يقدموه من استثمارات تسهم في توسيع النشاط الاقتصادي وتوفير فرص العمل.
كما أن المنشآت الصغيرة والمتوسطة تستحق اهتمامًا خاصًا، نظرًا لدورها في تنشيط الأسواق المحلية وتشغيل اليد العاملة. ويبقى المعيار الأهم لنجاح أدوات التمويل هو ما تحققه من استثمارات فعلية، وزيادة في الإنتاج، وفرص عمل مستدامة، لا حجم الأموال المعلنة وحده.
الحوكمة ووضوح الأولويات.. من التمويل إلى النتائج إن نجاح الصناديق التمويلية متعددة المانحين يتطلب وضوحًا في تحديد المشاريع، ودراسات اقتصادية وفنية دقيقة، ومعايير شفافة لاختيار الأولويات، إلى جانب متابعة التنفيذ وقياس النتائج.
ومن المهم أن تُقيَّم المشاريع وفق أثرها العملي، مثل إعادة المنشآت إلى العمل، وتحسين الخدمات الأساسية، ورفع الإنتاج، وتوفير فرص العمل، وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي كما أن التنسيق بين المؤسسات العامة والقطاع الخاص والشركاء الدوليين يساعد على توجيه الموارد نحو الاحتياجات الأكثر إلحاحًا وجدوى. الرهان الحقيقي اقتصاد سوري أكثر قدرة على الإنتاج والنمو يمثل إنشاء صندوق START خطوة مهمة في مسار تنظيم الدعم الدولي للتعافي وإعادة الإعمار، وتبقى المرحلة المقبلة مرتبطة بمدى القدرة على ترجمة هذه الخطوة إلى مشاريع ملموسة تحقق أثرًا اقتصاديًا كبيرا وهاما.
فالغاية ليست إعادة تأهيل ما تضرر فحسب، بل بناء قاعدة إنتاجية أكثر قدرة على الاستمرار والتوسع، وتحسين بيئة الاستثمار، وفتح المجال أمام فرص عمل جديدة.
وفي المحصلة، لن يكون المعيار الحقيقي لنجاح الصندوق حجم الأموال التي يستطيع حشدها، بل مقدار القيمة الاقتصادية التي يسهم في توليدها داخل سورية: إنتاج يعود، واستثمار يتوسع، وفرص عمل تستمر. فحين يتحول التمويل إلى نشاط اقتصادي حقيقي، تصبح إعادة الإعمار خطوة نحو اقتصاد أكثر قدرة على الإنتاج والمنافسة والنمو والازدهار.
