20/10/2026
syriavest
آراءالنخبة

فصل وزارة الاقتصاد عن الصناعة والتجارة الداخلية في سوريا: تصحيح للمسار الإداري أم بداية لنموذج اقتصادي جديد؟

بقلم: المهندس محمد المنتصر رواس قلعه جي
يمثل قرار إعادة توزيع الاختصاصات الاقتصادية في سوريا، وفصل الصناعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك عن وزارة الاقتصاد والصناعة، وإسنادها إلى وزارة متخصصة، خطوة تستحق التوقف عندها وتحليل أبعادها الاقتصادية والإدارية والتنموية.
ففي 19 أكتوبر/تشرين الأول 2026، صدر المرسوم الرئاسي رقم 189 لعام 2026 بتعيين المهندس باسل عبد العزيز عبد الحنان وزيراً للصناعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك، في تعديل يعيد توزيع الملفات التي جُمعت ضمن وزارة الاقتصاد والصناعة في مارس/آذار 2025. وبذلك تتوزع المسؤوليات الاقتصادية الأساسية بين وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية، ووزارة الصناعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك. 
لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان وجود وزارتين أفضل من وزارة واحدة، بل: كيف يمكن تحويل هذا التعديل الإداري إلى فرصة لإعادة بناء الاقتصاد السوري على أسس الإنتاجية والتنافسية والاستثمار والتكامل الاقتصادي؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب النظر إلى القرار في سياق أوسع من إعادة توزيع الحقائب الوزارية؛ سياق التحول الذي تحتاجه سوريا من اقتصاد أنهكته سنوات الحرب وتراجع الإنتاج وضعف الاستثمار، إلى اقتصاد قادر على توليد فرص العمل، وتلبية احتياجات السوق المحلية، واستعادة قدرته على التصدير، والاستفادة من موقع البلاد الجغرافي في التجارة الإقليمية والدولية.
أولاً: من دمج الوزارات إلى إعادة تعريف الأدوار
عندما جرى دمج وزارات الاقتصاد والصناعة والتجارة الخارجية والتجارة الداخلية وحماية المستهلك في هيكل وزاري واحد عام 2025، كان من الممكن النظر إلى ذلك بوصفه محاولة لتقليص الهياكل الحكومية وتوحيد إدارة الملفات الاقتصادية المتداخلة. وقد جاء التشكيل الحكومي آنذاك في إطار إعادة تنظيم الجهاز التنفيذي السوري. 
غير أن جمع قطاعات متعددة ضمن وزارة واحدة لا يضمن بالضرورة تحقيق التكامل بينها. فقد يؤدي اتساع نطاق المسؤوليات إلى تشتيت الأولويات، وتنافس الملفات على اهتمام القيادة الوزارية، وصعوبة تخصيص الكفاءات والموارد اللازمة لكل قطاع.
فالصناعة تحتاج إلى سياسات متخصصة للتنمية الصناعية، وإعادة تأهيل المصانع، وتطوير سلاسل الإمداد، وتحفيز الاستثمار، ونقل التكنولوجيا، ورفع الإنتاجية.
والتجارة الداخلية تحتاج إلى أدوات مختلفة، تشمل تنظيم الأسواق، ومراقبة جودة المنتجات، وحماية المستهلك، ومكافحة الغش التجاري، وتعزيز المنافسة العادلة.
أما الاقتصاد والتجارة الخارجية فيحتاجان إلى رؤية كلية تتعامل مع السياسات الاقتصادية والتجارية، والانفتاح على الأسواق الدولية، وتنمية الصادرات، وجذب الاستثمارات، وتحسين البيئة الاقتصادية للأعمال.
هذه الملفات مترابطة، لكنها ليست متطابقة. ومن هنا يمكن فهم مبررات الفصل باعتباره محاولة لإعطاء كل مجموعة من الوظائف اهتماماً مؤسسياً أكثر تخصصاً.
ومع ذلك، فإن الفصل الإداري لا ينبغي أن يعني الفصل في الرؤية الاقتصادية أو السياسات العامة؛ فالنجاح يتطلب أن تعمل الوزارتان ضمن استراتيجية وطنية واحدة، لا أن تتحول كل منهما إلى جزيرة إدارية مستقلة.
ثانياً: ما الإيجابيات التي يمكن أن يحققها هذا التعديل؟

  1. إعطاء الصناعة أولوية تتناسب مع تحديات المرحلة
    تحتاج سوريا إلى إعادة بناء قاعدتها الإنتاجية، وليس الاكتفاء بإعادة تنشيط حركة الاستيراد والتوزيع.
    فإعادة تأهيل المنشآت الصناعية القائمة، وإعادة تشغيل المصانع المتوقفة، وتطوير المناطق الصناعية، وتحسين الوصول إلى الطاقة والتمويل، وإعادة بناء سلاسل الإمداد، كلها ملفات تحتاج إلى قيادة متخصصة ومتابعة مستمرة.
    إن وجود وزارة تركز على الصناعة يتيح، من حيث المبدأ، تطوير سياسات صناعية أكثر وضوحاً، وربطها بمؤشرات أداء قابلة للقياس، مثل:
    زيادة مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي.
    رفع الطاقة الإنتاجية المستغلة في المصانع.
    زيادة فرص العمل الصناعية المستدامة.
    تحسين الإنتاجية وجودة المنتجات.
    زيادة القيمة المضافة المحلية.
    تنمية الصادرات الصناعية وتقليل الاعتماد غير الضروري على الواردات.
    لكن الأهم هو أن تتحول هذه المؤشرات إلى أهداف تستند إلى بيانات موثوقة، وخط أساس واضح، وبرامج تنفيذية محددة المسؤوليات والتمويل.
    فالصناعة لا تنهض بمجرد وجود وزارة تحمل اسمها، بل بوجود سياسة صناعية متكاملة تجعل الاستثمار في الإنتاج مجدياً وقادراً على المنافسة.
  2. إعادة التوازن بين تحرير التجارة وحماية الإنتاج الوطني
    يحتاج الاقتصاد السوري إلى الانفتاح على الأسواق الخارجية واستعادة علاقاته التجارية، لكن الانفتاح التجاري لا ينبغي أن يكون غاية مستقلة عن التنمية الإنتاجية.
    إن إتاحة السلع المستوردة للمستهلك قد تساعد على زيادة الخيارات وتحسين المنافسة وخفض بعض الأسعار. إلا أن فتح الأسواق، إذا لم يترافق مع تحسين قدرة المنتج المحلي على المنافسة، قد يؤدي إلى ضغوط شديدة على المصانع السورية، ولا سيما المنشآت التي تعاني من ارتفاع تكاليف الطاقة والتمويل والنقل، أو من تقادم المعدات وضعف الوصول إلى التكنولوجيا.
    وقد سلطت تقارير اقتصادية حديثة الضوء على الضغوط التي تواجه بعض الصناعات السورية في ظل المنافسة الخارجية وارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف البنية التحتية. 
    وهنا تبرز أهمية وجود وزارة للصناعة والتجارة الداخلية قادرة على ربط سياسات الإنتاج بتنظيم السوق المحلية.
    ولا يعني ذلك الدعوة إلى إغلاق الأسواق أو حماية المصانع بصرف النظر عن كفاءتها؛ بل المطلوب هو تحقيق توازن مدروس بين ثلاثة أهداف:
    حماية المستهلك من الأسعار المبالغ فيها والممارسات الاحتكارية والمنتجات غير المطابقة للمواصفات.
    حماية المنافسة العادلة من الإغراق والممارسات التجارية الضارة، باستخدام الأدوات القانونية والاقتصادية المناسبة.
    تمكين الصناعة المحلية من تحسين إنتاجيتها وجودتها وتكاليفها، حتى تصبح قادرة على المنافسة دون الاعتماد الدائم على الحماية الحكومية.
    إن الحماية الناجحة ليست تلك التي تعزل الصناعة عن المنافسة، وإنما التي تمنحها البيئة اللازمة لاكتساب القدرة على المنافسة.
  3. تعزيز الرقابة على جودة المنتجات وحماية المستهلك
    يكتسب جمع الصناعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك ضمن وزارة واحدة أهمية إضافية في ظل الحاجة إلى ضبط الأسواق السورية ورفع مستوى الثقة بالمنتجات المتداولة.
    فالمواصفات القياسية، والاختبارات الفنية، والرقابة على المصانع والمستوردات، ومكافحة الغش التجاري، ومراقبة المنتجات الغذائية والصناعية، ليست مجرد إجراءات رقابية؛ بل تمثل جزءاً أساسياً من البنية التحتية للاقتصاد الحديث.
    ويجب هنا التمييز بين دور الوزارة في وضع السياسات وممارسة الصلاحيات التنظيمية والرقابية المخولة لها، وبين دور هيئة المواصفات والمقاييس والجهات الفنية والمخبرية المختصة، وفقاً للتشريعات النافذة.
    إن وضوح هذه الأدوار من شأنه أن يرفع مستوى الالتزام بالمواصفات، ويحد من تداول المنتجات غير المطابقة، ويحمي المواطنين وممتلكاتهم، ويعزز الثقة بالمنتجات السورية.
    كما أن تطوير منظومة المواصفات والاختبارات والاعتماد يمثل شرطاً مهماً لدخول المنتجات السورية إلى الأسواق الخارجية، حيث لا تكفي القدرة على الإنتاج ما لم تقترن بالجودة والمطابقة وإمكانية إثباتهما.
  4. تمكين وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية من التركيز على التنافسية والانفتاح الاقتصادي
    في المقابل، يمكن أن يتيح التعديل لوزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية تركيزاً أكبر على دورها في تطوير البيئة الاقتصادية العامة وتعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية الخارجية.
    ومن أبرز الملفات التي يمكن أن تستفيد من هذا التركيز:
    تطوير سياسة تجارية متسقة مع احتياجات الاقتصاد الوطني.
    تنمية الصادرات وتنويع الأسواق المستهدفة.
    تسهيل إجراءات التجارة الخارجية بالتنسيق مع الجمارك والجهات المعنية.
    جذب الاستثمارات المحلية والعربية والأجنبية.
    تعزيز التكامل بين التجارة الخارجية والاستثمار والإنتاج الوطني.
    دعم مشاركة القطاع الخاص في بناء علاقات اقتصادية إقليمية ودولية.
    كما ينبغي أن تستفيد سوريا من موقعها الجغرافي لتطوير دورها بوصفها جسراً اقتصادياً ولوجستياً يربط الأسواق الإقليمية، ويتيح حركة أكثر كفاءة للسلع والطاقة والخدمات.
    غير أن تحقيق هذه الفرصة يتطلب تنسيقاً وثيقاً مع وزارات النقل والطاقة والمالية والاتصالات والجهات المسؤولة عن المعابر والجمارك والاستثمار.
    فالقدرة على جذب التجارة والاستثمار لا تتحدد بالموقع الجغرافي وحده، وإنما بمدى كفاءة البنية التحتية، ووضوح الأنظمة، واستقرار السياسات، وسرعة الإجراءات، وتنافسية الخدمات.

ثالثاً: أين تكمن المخاطر والفجوات المحتملة؟
على الرغم من المزايا المحتملة للفصل، فإن أي تغيير في الهيكل الحكومي ينطوي على مخاطر ينبغي التعامل معها مبكراً، خصوصاً عندما تتداخل مسؤوليات الوزارات في الملفات الاقتصادية.

  1. خطر تضارب السياسات التجارية والصناعية
    لعل هذه النقطة هي الأهم.
    فقد تتبنى وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية سياسة لتسهيل استيراد بعض السلع، في حين ترى وزارة الصناعة أن تلك السلع تنافس منتجات محلية تحتاج إلى فترة لإعادة التأهيل أو رفع الإنتاجية.
    وقد تدفع وزارة الصناعة باتجاه تحفيز إنتاج سلعة معينة محلياً، بينما ترى وزارة الاقتصاد أن استيرادها أقل تكلفة على الاقتصاد في المرحلة الراهنة.
    وفي الحالتين، لا يمكن حسم المسألة من منظور وزارة واحدة.
    فقرار الاستيراد لا يؤثر فقط في توافر السلعة وسعرها، بل قد يؤثر أيضاً في تشغيل المصانع، والطلب على العمالة، واستهلاك القطع الأجنبي، والإيرادات الجمركية، والقدرة التصديرية مستقبلاً.
    وبالمثل، فإن تشجيع الإنتاج المحلي لا يعني بالضرورة أن كل منتج ينبغي تصنيعه داخل البلاد، بصرف النظر عن تكلفته أو جودته أو حجم الطلب عليه.
    الحل هو اعتماد سياسة اقتصادية وتجارية وصناعية متكاملة، توازن بين مصلحة المستهلك الآنية والمصلحة الإنتاجية طويلة الأجل، بالاستناد إلى بيانات وتحليلات اقتصادية واضحة.
  2. خطر ازدواجية الصلاحيات وتشتت المسؤولية
    قد يؤدي الفصل إلى نشوء مناطق رمادية بين الوزارتين، خصوصاً في ملفات مثل:
    تراخيص الأنشطة الصناعية والتجارية.
    تنظيم الاستيراد والتصدير.
    دعم الإنتاج المحلي.
    سياسات المنافسة والأسعار.
    الرقابة على الأسواق والمنتجات.
    بيانات الإنتاج والاستهلاك والمخزون.
    الترويج للمنتجات والصناعات السورية.
    وإذا لم تُحدد الاختصاصات بدقة، فقد يضطر المستثمر أو الصناعي إلى مراجعة أكثر من جهة لإنجاز معاملة واحدة، أو قد تتخذ جهتان قرارات متعارضة بشأن النشاط نفسه.
    لذلك، ينبغي أن يترافق التعديل مع مراجعة تنظيمية وقانونية تحدد بوضوح اختصاصات كل وزارة، وصلاحيات الجهات التابعة لها، وآليات إحالة الملفات المشتركة، والجهة المسؤولة عن اتخاذ القرار النهائي في كل حالة.
    كما ينبغي تجنب إنشاء وحدات متكررة في الوزارتين لممارسة المهام ذاتها، ما لم توجد ضرورة وظيفية واضحة تبرر ذلك.
  3. خطر أن يصبح التغيير شكلياً دون تغيير في طريقة العمل
    من الممكن أن تتغير أسماء الوزارات والهياكل التنظيمية، بينما تستمر الإجراءات القديمة، وتبقى الصلاحيات مركزة، وتظل القرارات بطيئة، ولا تتحسن الخدمات المقدمة للمستثمرين والصناعيين والمواطنين.
    وهذا يعني أن التغيير قد يحقق إعادة توزيع للمسؤوليات، دون أن يحقق بالضرورة زيادة في الكفاءة أو الإنتاجية.
    ولذلك، ينبغي ألا يقاس نجاح التعديل بعدد الوزارات أو الإدارات المستحدثة، بل بما يحققه من نتائج ملموسة، منها تقليص مدة إنجاز المعاملات، وتخفيض كلفة الامتثال، وتحسين جودة الخدمات، وزيادة الاستثمار والإنتاج وفرص العمل.
    إن إعادة الهيكلة الحقيقية لا تقتصر على رسم هيكل تنظيمي جديد؛ بل تشمل إعادة تصميم الإجراءات، وتحديد المسؤوليات، وتطوير الكفاءات، والتحول الرقمي، وتعزيز المساءلة.
  4. خطر فقدان التكامل في البيانات والتخطيط
    تحتاج القرارات الاقتصادية الرشيدة إلى بيانات موحدة ومحدثة عن الإنتاج المحلي، والواردات، والصادرات، والأسعار، والطلب على السلع، والطاقة الإنتاجية، وفرص الاستثمار.
    وإذا أصبحت هذه البيانات موزعة بين الوزارتين دون نظام مشترك لتبادلها وتحليلها، فقد تتراجع جودة التخطيط الاقتصادي وتزداد احتمالات اتخاذ قرارات مبنية على معلومات ناقصة أو متأخرة.
    ومن هنا تبرز الحاجة إلى منصة معلومات اقتصادية وصناعية وتجارية مشتركة، تتكامل فيها البيانات وفق صلاحيات واضحة، وتوفر مؤشرات موثوقة لصانعي القرار، مع ضمان سرية المعلومات التجارية التي تستوجب الحماية.
    كما ينبغي نشر البيانات الاقتصادية الأساسية بانتظام، بما يعزز الشفافية ويساعد المستثمرين والقطاع الخاص على اتخاذ قراراتهم.
    رابعاً: كيف نتجاوز الفجوات ونحوّل الفصل إلى فرصة إصلاح؟
    في تقديري، لا ينبغي أن يتوقف التغيير عند الفصل التنظيمي، بل يجب أن يكون بداية لبرنامج متكامل لتحديث الإدارة الاقتصادية في سوريا.
    وأقترح في هذا السياق ستة مسارات عملية.
    المسار الأول: إقرار إطار وطني موحد للسياسات الاقتصادية والصناعية والتجارية
    ينبغي أن تعمل الوزارتان وفق رؤية اقتصادية وطنية واحدة، تحدد أولويات التعافي والإنتاج والاستثمار والتجارة الخارجية.
    ويجب أن تتضمن هذه الرؤية أهدافاً واضحة، من بينها:
    إعادة تأهيل القاعدة الصناعية السورية.
    زيادة القيمة المضافة المحلية.
    تحسين القدرة التنافسية للمنتجات السورية.
    تنمية الصادرات وتقليل الواردات التي يمكن إحلال إنتاج محلي تنافسي محلها.
    جذب الاستثمارات إلى القطاعات ذات الأولوية.
    خلق فرص عمل منتجة ومستدامة.
    ولا يعني ذلك السعي إلى الاكتفاء الذاتي في جميع السلع، وهو هدف غير واقعي اقتصادياً، بل التركيز على القطاعات التي تمتلك سوريا فيها مزايا تنافسية أو فرصاً حقيقية لبناء قدرات إنتاجية وتصديرية.
    ومن المهم أن ترتبط هذه الرؤية بأولويات إعادة الإعمار، وتوافر الطاقة، والموارد البشرية، والتمويل، واحتياجات الأسواق المحلية والإقليمية.
    المسار الثاني: إنشاء آلية مؤسسية للتنسيق الاقتصادي بين الوزارتين
    أقترح تشكيل مجلس تنسيق للسياسات الاقتصادية والصناعية والتجارية، برئاسة جهة حكومية عليا تحددها الحكومة، وعضوية الوزارتين والجهات المعنية بالمالية والطاقة والنقل والاستثمار والجمارك، مع إشراك ممثلين عن القطاع الخاص في المسائل التي تتطلب التشاور معه.
    ويجب ألا يتحول المجلس إلى مستوى إداري إضافي يعطل القرارات؛ بل ينبغي أن تكون له مهام محددة، أهمها:
    مراجعة القرارات التجارية التي قد تؤثر بصورة جوهرية في الإنتاج المحلي.
    تنسيق أولويات التنمية الصناعية وسياسات الاستيراد والتصدير.
    معالجة التعارض بين اختصاصات الجهات الحكومية.
    تحديد المسؤولية عن الملفات المشتركة ضمن مدد زمنية واضحة.
    متابعة تنفيذ البرامج المشتركة ورفع تقارير دورية عن نتائجها.
    ويمكن أن يعمل المجلس من خلال أمانة فنية صغيرة، مدعومة بنظام معلومات مشترك، مع تحديد مواعيد دورية للاجتماعات ومسار سريع لمعالجة القرارات العاجلة.
    المسار الثالث: إعداد سياسة صناعية سورية واقعية وقابلة للتنفيذ
    تحتاج سوريا إلى الانتقال من معالجة المشكلات الصناعية حالةً بحالة إلى سياسة صناعية مبنية على تحليل القطاعات وسلاسل القيمة.
    ويبدأ ذلك بتقييم القدرات الصناعية القائمة، وتحديد المصانع القابلة لإعادة التشغيل، والقطاعات التي تمتلك فرصاً للنمو، ومدى توافر المواد الأولية والطاقة والعمالة والتمويل والأسواق.
    وبعد ذلك، يمكن تصنيف القطاعات إلى ثلاث مجموعات:
    أولاً: قطاعات ذات قدرة إنتاجية قائمة يمكن استعادتها سريعاً.
    وهي القطاعات التي يمكن أن تحقق زيادة ملموسة في الإنتاج والتشغيل من خلال إعادة تأهيل المعدات، وتأمين الطاقة والمواد الأولية، وتحسين التمويل والتسويق.
    ثانياً: قطاعات تمتلك فرصاً لإحلال الواردات بصورة تنافسية.
    ويشمل ذلك المنتجات التي يمكن تصنيعها محلياً بجودة مناسبة وتكلفة اقتصادية، مع توافر حجم طلب يبرر الاستثمار.
    ثالثاً: قطاعات ذات إمكانات تصديرية أو قيمة مضافة مرتفعة.
    وهي القطاعات التي يمكن تطويرها للاستفادة من الأسواق الإقليمية، ومن موقع سوريا، ومن علاقاتها الاقتصادية مع الدول العربية وتركيا وأوروبا وغيرها.
    وينبغي ألا تتحول هذه التصنيفات إلى قوائم مغلقة أو قرارات سياسية لحماية قطاعات غير مجدية اقتصادياً؛ بل يجب أن تستند إلى دراسات جدوى وتنافسية، وأن تخضع للمراجعة وفق النتائج.
    المسار الرابع: تطوير سياسة متوازنة للتجارة الداخلية والخارجية
    ينبغي أن تتكامل سياسات الوزارتين في إدارة العلاقة بين الإنتاج المحلي والواردات والأسواق.
    ويمكن تحقيق ذلك من خلال:
    تطوير آليات شفافة لمراجعة القيود التجارية والتعرفة الجمركية بالتنسيق مع الجهات المختصة.
    استخدام أدوات المعالجة التجارية القانونية عند توافر مبرراتها وأدلتها.
    تسهيل استيراد الآلات والمعدات والمدخلات الإنتاجية التي تحتاج إليها المصانع.
    تعزيز المنافسة ومنع الاحتكار والممارسات التجارية الضارة.
    تطوير أنظمة الرقابة على جودة المنتجات ومطابقتها للمواصفات.
    تحسين إجراءات التصدير وربط المنتجين بالأسواق الخارجية.
    ومن المهم التمييز بين استيراد سلعة نهائية تنافس إنتاجاً محلياً قائماً، واستيراد مواد أولية أو مكونات تدخل في تصنيع منتجات سورية.
    فقد يؤدي فرض أعباء مرتفعة على المواد الأولية المستوردة إلى زيادة تكلفة المنتج المحلي نفسه، وإضعاف قدرته على المنافسة في السوق الداخلية والخارجية.
    ولهذا، يجب أن تُبنى السياسات التجارية على فهم تفصيلي لسلاسل القيمة الصناعية، لا على تصنيف الواردات بمعزل عن استخداماتها وآثارها الاقتصادية.
    المسار الخامس: تحديد مؤشرات أداء مشتركة ومحاسبة كل وزارة على نتائجها
    لا يمكن تقييم نجاح الهيكل الجديد دون مؤشرات أداء واضحة.
    وأقترح اعتماد مجموعتين من المؤشرات:
    مؤشرات خاصة بكل وزارة تقيس النتائج التي تقع ضمن مسؤولياتها المباشرة، ومؤشرات مشتركة تقيس مدى نجاح السياسات الاقتصادية والصناعية والتجارية في تحقيق أهدافها المتكاملة.
    ومن الأمثلة المقترحة:
الجهة القائدةالمؤشر المقترحالمجال
وزارة الصناعةنمو الإنتاج الصناعي والقيمة المضافةالصناعة
وزارة الصناعة بالتنسيق مع الجهات الاستثماريةحجم الاستثمارات الصناعية المنفذة فعلياًالاستثمار الصناعي
وزارة الصناعة بالتنسيق مع الجهات المعنية بالعملعدد فرص العمل الصناعية الجديدة والمستدامةالتشغيل
وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجيةنمو الصادرات وتنويع أسواقهاالتجارة الخارجية
الوزارتان والجهات الإحصائية المختصةتطور تكلفة الإنتاج والإنتاجية في القطاعات المستهدفةالتنافسية
وزارة الصناعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك والجهات الفنية المختصةمستوى المطابقة للمواصفات وفعالية معالجة الشكاوىحماية المستهلك
الوزارتانمتوسط مدة إنجاز المعاملات والإجراءات المشتركةبيئة الأعمال
الوزارتانالتغير في الاعتماد على الواردات في قطاعات مختارة، مع قياس القيمة المضافة المحليةإحلال الواردات

هذه مؤشرات مقترحة وليست مستهدفات حكومية معتمدة.
وينبغي تحديد القيم المستهدفة لكل مؤشر بعد بناء خط أساس موثق، وتحديد مصادر البيانات، وآلية التحقق منها، والمدة الزمنية اللازمة لتحقيق النتائج.
كما ينبغي الحذر من الاعتماد على مؤشرات منفردة قد تعطي انطباعاً مضللاً؛ فزيادة الإنتاج الصناعي مثلاً لا تكفي وحدها إذا ترافقت مع تراجع الجودة أو تراكم المخزون أو ارتفاع الخسائر. وبالمثل، فإن زيادة الصادرات ينبغي أن تُقرأ مع تطور القيمة المضافة المحلية، لا مع قيمة الصادرات الإجمالية فقط.
المسار السادس: إشراك القطاع الخاص في صياغة السياسات ومتابعة تنفيذها
لا يمكن إعادة بناء الصناعة والتجارة في سوريا بالاعتماد على الجهاز الحكومي وحده.
فالقطاع الخاص يمتلك معرفة عملية بالأسواق، وتكاليف الإنتاج، ومشكلات التمويل والطاقة، ومتطلبات التصدير، والفرص الاستثمارية.
ومن الضروري تطوير قنوات مؤسسية منتظمة للحوار مع غرف الصناعة والتجارة، واتحادات الأعمال، والمستثمرين، والشركات الصناعية، ومجالس الأعمال السورية والعربية والدولية.
وينبغي ألا يقتصر هذا الحوار على الاستماع إلى المطالب، بل أن يتحول إلى آلية لتحديد المشكلات ذات الأولوية، وتقييم الخيارات المتاحة، ومراجعة آثار القرارات الحكومية، وقياس التحسن الفعلي في بيئة الأعمال.
كما ينبغي وضع ضوابط واضحة لتعارض المصالح، وضمان أن تستند السياسات إلى المصلحة الاقتصادية العامة، لا إلى مصالح فئة محددة من المنتجين أو المستوردين.
فالهدف ليس ترجيح كفة الصناعة على حساب التجارة، ولا العكس، بل بناء اقتصاد تتكامل فيه الصناعة والتجارة والاستثمار والخدمات اللوجستية.

خامساً: سوريا بحاجة إلى ما هو أبعد من إعادة توزيع الحقائب الوزارية
في تقديري، تكمن الفرصة الأكبر في أن يكون هذا التعديل جزءاً من مراجعة أوسع لطريقة إدارة الملف الاقتصادي في الدولة السورية.
فالاقتصاد ليس مجموعة وزارات تعمل كل منها ضمن حدودها الإدارية، بل منظومة متكاملة تتفاعل فيها السياسة المالية والنقدية والتجارية والصناعية والاستثمارية، إلى جانب الطاقة والنقل والتعليم والتدريب والبنية التحتية.
ولذلك، فإن نجاح وزارة الصناعة والتجارة الداخلية سيعتمد جزئياً على قدرتها على التنسيق مع وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية، لكنه سيعتمد أيضاً على توافر الكهرباء، وتحسين بيئة التمويل، وتطوير الخدمات اللوجستية، واستقرار القواعد التنظيمية، وتأهيل الكفاءات البشرية.
وبالمثل، فإن نجاح وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية في جذب الاستثمارات وتوسيع الصادرات لن يتحقق بمجرد توقيع الاتفاقيات التجارية أو الإعلان عن فرص استثمارية، ما لم يجد المستثمر بيئة إنتاجية وتشغيلية قادرة على تحويل الفرص إلى مشروعات قائمة.
وهنا تبرز أهمية تطوير نموذج حكومي يربط بين وضع السياسات وتنفيذ المشروعات وقياس النتائج.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال ثلاثة مستويات متكاملة:
المستوى الاستراتيجي: وضع رؤية اقتصادية وطنية موحدة وأولويات واضحة للتنمية والإنتاج والتجارة والاستثمار.
المستوى التنفيذي: تحديد مسؤولية كل وزارة وجهة حكومية عن البرامج والمشروعات، وتوفير الموارد والصلاحيات اللازمة للتنفيذ.
مستوى المتابعة والمساءلة: قياس النتائج بصورة دورية، ونشر المؤشرات الأساسية، ومعالجة الانحرافات، وتعديل السياسات عند الحاجة.
إن هذا النموذج لا يتطلب بالضرورة إنشاء مؤسسات حكومية جديدة؛ فقد يكون تطوير آليات التنسيق والمتابعة القائمة أكثر كفاءة وأقل تكلفة، شرط وضوح المسؤوليات ووجود قيادة قادرة على حسم التعارضات.
سادساً: فرصة استراتيجية لسوريا لتصبح جسراً صناعياً ولوجستياً إقليمياً
لا ينبغي أن تنحصر الرؤية الاقتصادية السورية في إعادة تشغيل المصانع القائمة أو تلبية احتياجات السوق المحلية، على أهمية ذلك.
فسوريا تمتلك موقعاً جغرافياً يتيح لها فرصاً في الربط بين الأسواق العربية وتركيا وأوروبا، وفي تطوير حركة التجارة والنقل والخدمات اللوجستية، إذا توافرت البنية التحتية والأنظمة والاستثمارات اللازمة.
ومن هنا يمكن بناء رؤية تتكامل فيها ثلاثة أدوار:
سوريا المنتجة: من خلال إعادة تأهيل الصناعة، وتطوير الصناعات الغذائية والنسيجية والهندسية والتحويلية وغيرها من القطاعات القادرة على المنافسة.
سوريا المصدّرة: من خلال رفع جودة المنتجات، وتطوير المواصفات، وتحسين الخدمات اللوجستية، وبناء علاقات تجارية مستدامة مع الأسواق الخارجية.
سوريا الجسر الاقتصادي: من خلال تطوير المعابر والممرات التجارية، وربطها بشبكات النقل والطاقة والخدمات الرقمية، وتعزيز دورها في سلاسل الإمداد الإقليمية.
ويتطلب تحقيق هذه الرؤية تنسيقاً بين الوزارتين والجهات المسؤولة عن النقل والطاقة والمالية والجمارك والاستثمار، إلى جانب تطوير الشراكات مع الدول العربية والإقليمية.
كما يتطلب اختيار مشروعات ذات جدوى اقتصادية واضحة، وتحديد أولويات الاستثمار فيها، وتطوير نماذج شراكة قادرة على جذب رأس المال والخبرات والتكنولوجيا.
وفي هذا الإطار، يمكن للاستثمارات العربية، ولا سيما السعودية، أن تؤدي دوراً مهماً في تطوير القطاعات الإنتاجية والبنية التحتية وسلاسل القيمة، شريطة أن تقوم المشروعات على دراسات جدوى واضحة، وبيئة استثمارية مستقرة، وتوزيع مناسب للمخاطر والعوائد.
وهكذا تصبح إعادة الهيكلة الوزارية جزءاً من مشروع تنموي أوسع، لا مجرد تغيير في توزيع المسؤوليات الحكومية.

خاتمة: معيار النجاح هو ما يتغير في الاقتصاد السوري
إن فصل الصناعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك عن وزارة الاقتصاد والصناعة يمثل فرصة لإعادة تنظيم إدارة الملفات الاقتصادية على أسس أكثر تخصصاً، لكنه لا يشكل بحد ذاته ضمانة لتحسين الأداء الاقتصادي.
فالنتيجة النهائية ستتوقف على قدرة الحكومة على معالجة التداخل في الصلاحيات، وتوحيد الرؤية الاقتصادية، وتحويل السياسات إلى برامج قابلة للتنفيذ، وتطوير أدوات المتابعة والمساءلة، وإشراك القطاع الخاص في عملية التنمية.
وإذا نجح التعديل في منح الصناعة الاهتمام الذي تحتاج إليه، وتحسين تنظيم الأسواق وحماية المستهلك، وتمكين التجارة الخارجية من خدمة الإنتاج الوطني، فقد يشكل خطوة مهمة نحو بناء اقتصاد سوري أكثر توازناً وقدرة على المنافسة.
أما إذا اقتصر الأمر على تغيير الهياكل والأسماء، دون معالجة الاختناقات المؤسسية والإنتاجية، فقد تبقى التحديات قائمة رغم اختلاف الترتيبات الإدارية.
إن سوريا اليوم لا تحتاج إلى اقتصاد مغلق يحمي الإنتاج غير الكفؤ، ولا إلى اقتصاد مفتوح تتراجع فيه الصناعة المحلية أمام الواردات دون أن تتاح لها فرص المنافسة العادلة.
إنها تحتاج إلى اقتصاد منفتح ومنتج في آن واحد؛ اقتصاد يشجع الاستثمار، ويعزز المنافسة، ويحمي المستهلك، ويطور الصناعة، وينمي الصادرات، ويوفر فرص العمل.
فالغاية النهائية من أي إصلاح إداري ليست أن تصبح لدينا وزارات أكثر تخصصاً فحسب، بل أن تصبح لدينا دولة أكثر قدرة على تحويل الموارد والاستثمارات والطاقات البشرية إلى إنتاج وقيمة مضافة وفرص عمل وازدهار مستدام.
وهذا، في تقديري، هو المعيار الحقيقي الذي ينبغي أن نقيس به نجاح التعديل الوزاري الأخير في سوريا.

م. منتصر قلعه جي
نائب الرئيس التنفيذي لمجلس الاعمال السوري السعودي
المدير العام للشركة السورية للكابلات بإدارة شركة كابلات الرياض
رئيس مجل الإدارة لمجموعة شركات ارأّك

المنشورات ذات الصلة

فصل الصناعة والتجارة الداخلية عن الاقتصاد.. خطوة تدعم الإنتاج الوطني

Samer Al-Bashlawi

التسامح مع الذات: القائد الذي يعرف كيف يغفر لنفسه

Samer Al-Bashlawi

صندوق START.. بوابة التمويل الدولي نحو التعافي الإنتاجي في سورية

Samer Al-Bashlawi