الاستاذ الدكتور عبد الهادي الرفاعي عميد كلية الاقتصاد في جامعة اللاذقية
*
الثورة السورية – إخلاص علي
تتجه مؤشرات الاقتصاد السوري نحو نمو متسارع خلال عام 2026، إذ يتوقع البنك الدولي أن يتراوح معدل النمو بين 8 و10 في المئة، مدفوعاً بانتعاش قطاعات النفط والزراعة والبناء والسياحة، إلى جانب تحسن النشاط الاقتصادي والتجاري.
ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف المعيشة تزيد الأعباء المالية على الأسر السورية، ما يطرح تساؤلات حول مدى انعكاس هذا النمو على مستوى المعيشة، والمدة التي يحتاجها المواطنون للشعور بنتائجه.
قاعدة المقارنة
يعزو عميد كلية الاقتصاد في جامعة اللاذقية، الدكتور عبد الهادي الرفاعي، ارتفاع توقعات النمو الاقتصادي في سوريا، وفق تقارير البنك الدولي، إلى التعافي بعد سنوات طويلة من الانكماش، وانخفاض قاعدة المقارنة، وتخفيف القيود الخارجية، إلى جانب التحسن الجزئي في أداء قطاعات اقتصادية محددة.
ويوضح الرفاعي، خلال حديثه لـ«الثورة السورية»، أن أي تحسن في النشاط الاقتصادي بعد سنوات من الانكماش الحاد يمكن أن يظهر بمعدلات نمو مرتفعة نسبياً، مستشهداً بارتفاع معدل النمو من 0.8 في المئة عام 2024 إلى 3.6 في المئة عام 2025، مع توقعات بتحقيق مزيد من التعافي خلال عام 2026.
لكنه يشدد على أن هذه النسب لا تعني بالضرورة استعادة الاقتصاد عافيته بصورة متكاملة، إذ ينبغي قراءتها في ضوء حجم التراجع الذي سبقها.
وقال البنك الدولي، في تقرير «آفاق الاقتصاد الكلي والفقر» الصادر في تشرين الأول 2026، إن التعافي الاقتصادي في سوريا اكتسب زخماً خلال النصف الأول من العام الجاري، بدعم من أنشطة إعادة الإعمار، وتحسن الربط التجاري والمالي، وزيادة الإنتاج الزراعي والنفطي، إلى جانب تخفيف القيود الدولية على التعاملات الاقتصادية.
ويشير الرفاعي إلى أن النفط والزراعة والبناء والسياحة والتجارة والخدمات تشكل أبرز القطاعات المساهمة في تحريك النشاط الاقتصادي، مستشهداً باقتراب إنتاج الإسمنت من مستويات ما قبل عام 2011، بالتوازي مع الزيادة الكبيرة في حركة النقل الجوي، بما يعكس انتعاش بعض الأنشطة المرتبطة بإعادة الإعمار.
من جهته، يُرجع الخبير الاقتصادي الدكتور حسام عيسى خليلو، تحسن توقعات النمو إلى التحسن التدريجي في الاستقرار الأمني، وتخفيف القيود الخارجية، واستعادة الروابط التجارية والمالية، فضلاً عن النشاط المرتبط بإعادة الإعمار.
ويرى أن استمرار هذا المسار يتوقف على قدرة القطاعات المنتعشة على توسيع الإنتاج، وتوفير فرص العمل، وتحسين الدخول.
ورغم التوقعات الإيجابية، حذّر البنك الدولي من أن التعافي لا يزال هشاً ومعرّضاً لمخاطر أمنية واقتصادية داخلية وإقليمية قد تحد من استمراره، مشيراً إلى أن تحسن مستويات المعيشة قد يبقى محدوداً في ظل ارتفاع الأسعار وعدم كفاية فرص العمل الجديدة لاستيعاب القوى العاملة.
ضغوط الأسعار
ولا تزال الضغوط التضخمية تشكل أحد أبرز التحديات أمام الأسر السورية، إذ تؤثر في قدرتها الشرائية وتحد من استفادتها من أي تحسن في الدخول.
ووفق تقرير البنك الدولي «آفاق الاقتصاد الكلي والفقر»، بلغ معدل التضخم السنوي 27.5 في المئة في نيسان 2026، متأثراً بارتفاع تكاليف الوقود والنقل والكهرباء والاستيراد، إضافة إلى أثر المقارنة بمستويات الأسعار المنخفضة في الفترة السابقة.
وتأتي هذه النسبة بعد انخفاض الأسعار بنسبة 27 في المئة خلال عام 2025، فيما يتوقع البنك الدولي أن يبلغ متوسط التضخم خلال عام 2026 نحو 21.4 في المئة، مقارنة بتسجيل التضخم 108 في المئة عام 2024 و130 في المئة عام 2023.
ولا يعني تراجع معدل التضخم بالضرورة انخفاض الأسعار إلى مستوياتها السابقة، إذ قد يستمر ارتفاعها بوتيرة أبطأ، ما يبقي الأعباء المعيشية مرتفعة، خصوصاً بعد فقدان الدخول جزءاً من قيمتها خلال سنوات التضخم.
وينبّه عميد كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية عبد الهادي الرفاعي إلى أن ارتفاع الأجور الاسمية لا يضمن تحسن المستوى المعيشي إذا ارتفعت الأسعار بوتيرة تفوق نمو الدخول، لأن المعيار الفعلي هو مقدار ما تستطيع هذه الدخول شراءه من سلع وخدمات.
بدوره، يشير خليلو إلى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والاستيراد يحد من قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها، ما يجعل مؤشرات الناتج والنمو وحدها غير كافية للحكم على تحسن الأوضاع المعيشية.
فجوة المعيشة
وتتضح الفجوة بين التعافي الاقتصادي والواقع المعيشي عند مقارنة الدخول بتكاليف الاحتياجات الأساسية.
وبحسب موجز منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) عن سوريا، ارتفعت تكلفة سلة الحد الأدنى للإنفاق بأكثر من 30 في المئة على أساس سنوي في حزيران 2026، في حين لم يغطِّ الحد الأدنى للأجر الشهري، بعد زيادته في أيار، سوى 47 في المئة من قيمة السلة.
ويُقصد بسلة الإنفاق الأدنى مستوى الإنفاق الضروري لتغطية الاحتياجات الأساسية للأسرة، ويُستخدم المؤشر لتقدير الحد الأدنى من متطلبات المعيشة، بما يعادل مفهومياً خط الفقر.
ويربط الرفاعي مدى استفادة المواطنين من النمو بطبيعة القطاعات التي تقود التوسع الاقتصادي وقدرتها على استيعاب العمالة وتوزيع المكاسب. فالنفط والبناء يعتمدان بدرجة كبيرة على رأس المال، ولا يتيحان بالضرورة فرص عمل تتناسب مع حجم النمو المحقق، في حين لا يزال تعافي القطاعات كثيفة العمالة، كالزراعة، يسير بوتيرة أبطأ، ما يحد من التوسع في الوظائف والدخول.
ويضيف أن تركز الإيرادات والمنافع الاقتصادية في قطاعات أو فئات محددة قد يحول دون شعور شريحة واسعة من المواطنين بتحسن مباشر في أوضاعهم، حتى مع تسجيل مؤشرات الاقتصاد الكلي معدلات نمو مرتفعة.
شروط التعافي
يرى الرفاعي أن انتقال أثر النمو إلى المواطنين يتطلب استقرار الأسعار، وتوفير فرص عمل مستقرة وجيدة الأجر، وتحسين الإيرادات العامة والخدمات، إلى جانب توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية القادرة على خلق الوظائف.
وفي هذا السياق، تُظهر بيانات وزارة المالية أن الإيرادات العامة بلغت نحو 2.7 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مقابل إنفاق بنحو 3.7 مليارات دولار، ما خلّف فجوة بنحو مليار دولار.
وارتفعت الإيرادات بنسبة 111 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، في حين زاد الإنفاق بنسبة 331 في المئة. وعلى مستوى العام الكامل، تتوقع وزارة المالية تسجيل عجز بنحو 1.8 مليار دولار.
وتعكس هذه الأرقام التحديات المالية التي تواجه الحكومة في تمويل الخدمات وتلبية الاحتياجات، في ظل اتساع الفجوة بين الإيرادات والإنفاق، ما يجعل إدارة الموارد المتاحة وتطوير الإيرادات العامة عاملين مهمين في دعم التعافي.
ويدعو الرفاعي إلى توجيه النشاط الاقتصادي نحو القطاعات الأكثر قدرة على استيعاب العمالة، لا سيما الزراعة والصناعات التحويلية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب تحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات الإنتاجية، بما يشجع القطاع الخاص على توسيع النشاط الإنتاجي ورفع الإنتاجية وتوفير وظائف أكثر استقراراً.
كما يشدد على ضرورة تعزيز الحماية الاجتماعية وتوظيف الإيرادات العامة، بما فيها عائدات النفط، في توفير شبكة أمان للأسر منخفضة الدخل والتخفيف من آثار ارتفاع الأسعار.
من جانبه، يؤكد خليلو أهمية ضبط التضخم، وتحسين إدارة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على التمويل، بما يساعدها على توسيع أعمالها والإسهام في خلق فرص العمل.
أما عن توقيت انعكاس التعافي على حياة المواطنين، فيرى الرفاعي أنه لا يمكن تحديد جدول زمني ثابت لذلك، لأن الأمر يرتبط بقدرة الاقتصاد على تحويل النمو إلى فرص عمل ودخول أفضل، بالتوازي مع استقرار الأسعار وتحسن الإيرادات العامة والخدمات. ويؤكد أن هذه العملية تدريجية وقد تستغرق سنوات، ولا تتحقق بصورة فورية بمجرد تسجيل معدلات نمو مرتفعة.
وبين توقعات النمو المرتفع واستمرار الضغوط المعيشية، يبقى التحدي أمام الاقتصاد السوري في تحويل التحسن في المؤشرات الكلية إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين.
ويتوقف ذلك على قدرة القطاعات المنتعشة على توسيع الإنتاج وتوفير فرص العمل، وعلى انعكاس النمو في صورة قدرة شرائية أعلى وخدمات أفضل، بما يجعل ثمار التعافي محسوسة في الحياة اليومية، لا مقتصرة على أرقام النمو وحدها.
