كتب الصناعي ورجل الأعمال الأستاذ بلال ابراهيم صاحب شركة ليو
بحكم عملي وعلاقتي الطويلة التي امتدّت لسنوات مع شرق آسيا، كنت ألاحظ دائمًا أن شعوب تلك المنطقة تحتفل بأعياد ومناسبات كثيرة، ولكل مناسبة طقوسها ومعانيها الخاصة.
لكن ما لفت انتباهي أكثر كان رأس السنة
الصينية.
ومع البحث أكثر في طقوس هذا العيد، وجدت أن الأمر لا يقتصر على احتفال شعبي أو عطلة طويلة، بل يحمل في داخله منظومة اجتماعية راقية تقوم على معانٍ نحتاج أن نتأملها جيدًا.
في رأس السنة الصينية، لا يبدأ العام الجديد من التقويم فقط، بل من معنى الوفاء.
قبل أن تعود الأعمال إلى حركتها، وقبل أن تُفتح دفاتر التجارة والحياة من جديد، يعود الإنسان هناك إلى من كان لهم فضل في طريقه:
إلى الأهل،
إلى كبار السن،
إلى المعلّم،
إلى الأستاذ،
وإلى كل يدٍ ساعدت، وكل كلمة وجّهت، وكل شخص ترك أثرًا في حياة إنسان.
ليست الزيارة هناك مجرّد عادة اجتماعية، بل اعتراف جميل بأن الإنسان لا يصنع نفسه وحده.
ففي ثقافات كثيرة من شرق آسيا، يبقى للمعلّم مقام، ولصاحب الفضل مكان، وللكبير احترام لا يسقط مع الزمن، ولا تنهيه المصلحة، ولا يمحوه النجاح.
تجتمع العائلات، وتُقدَّم التهاني بوقار، وتُهدى الهدايا البسيطة لا لقيمتها المادية، بل لما تحمله من تقدير وامتنان.
وتُمنح المظاريف الحمراء للأطفال والصغار، كي يتعلموا منذ البداية أن الفرح ليس في المال وحده، بل في البركة، والدعاء، وصلة الناس ببعضهم.
ما أجمل أن يحتفل الناس بعام جديد وهم يتذكرون من سبقهم، ومن علّمهم، ومن فتح لهم بابًا، ومن وقف معهم في لحظة ضعف أو بداية.
وفي بلداننا، كم نحتاج أن نعيد لهذا المعنى مكانته.
نحتاج أن نتذكر أن التنكّر لصاحب الفضل ليس ذكاءً، وأن نسيان المعلّم ليس قوة، وأن النجاح الذي يقطع جذوره يتحول مع الوقت إلى عزلة.
المجتمعات الراقية لا تُقاس فقط بما تملكه من مال وأسواق، بل بما تحفظه من أدب الوفاء، واحترام الكبير، وتقدير الأستاذ، وصون المعروف.
لعلّ أجمل ما في بعض الطقوس أنها تذكّر الإنسان بأن العام الجديد لا يبدأ فعلًا حين تتغير الأرقام، بل يتجدد فينا الامتنان.
مسيناكم بالمحبة والسلام 🌹🌿🌹

