بقلم: المحامي الدكتور إيهاب أحمد أبو الشامات
لا تكمن خطورة أزمة البنزين التي تشهدها سوريا اليوم في نقص مادة الوقود بحد ذاته، فمثل هذه الأزمات يمكن أن تواجه أي دولة في العالم نتيجة ظروف سياسية أو اقتصادية أو لوجستية. لكن ما يثير القلق حقاً هو الطريقة التي تُدار بها الأزمة، وآلية اتخاذ القرار في اللحظات الحرجة.
فالأزمة لا تختبر قوة الاقتصاد فقط، بل تختبر كفاءة الإدارة. وكلما كانت القرارات متأخرة أو غير منسقة أو غير واضحة، اتسعت دائرة الأزمة وامتدت آثارها إلى حياة المواطنين والأسواق وقطاع النقل والإنتاج.
لقد دخلت سوريا مرحلة جديدة بعد التحرير، وهذه المرحلة تفرض علينا جميعاً تغيير طريقة التفكير. فلا يجوز أن نستمر في إدارة الأزمات بعقلية ردّ الفعل، بل يجب أن ننتقل إلى ثقافة الاستعداد المسبق، والتخطيط، واتخاذ القرار السريع المبني على المعلومات.
فالاقتصاد السوري ما زال في مرحلة التعافي، ولم يصل بعد إلى حالة الاستقرار التي تسمح بامتصاص الصدمات بسهولة. وهذا يعني أن أي اضطراب في توفر الوقود، أو الكهرباء، أو المواد الأساسية، يمكن أن ينعكس مباشرة على الأسعار، وسلاسل التوريد، وحركة النقل، وثقة المواطن بالسوق.
إن الإدارة الحديثة لا تنتظر الأزمة حتى تبدأ بالتحرك، بل تبني منذ البداية سيناريوهات متعددة لكل احتمال. ماذا لو تأخر وصول المشتقات النفطية؟ ماذا لو ارتفع الطلب بشكل مفاجئ؟ ماذا لو تعطلت إحدى قنوات التوريد؟ لكل سؤال من هذه الأسئلة يجب أن تكون هناك خطة جاهزة، وصلاحيات واضحة، وفريق قادر على التنفيذ خلال ساعات، لا بعد أيام.
ولعل ما نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى هو ترسيخ مفهوم إدارة الأزمات داخل جميع المؤسسات الحكومية. فكل وزارة، وكل مؤسسة خدمية، يجب أن تمتلك غرفة عمليات، وخطة طوارئ، ومؤشرات إنذار مبكر، وآليات تواصل شفافة مع المواطنين، لأن وضوح المعلومة يقلل الإشاعات ويعزز الثقة حتى في أصعب الظروف.
كما أن المواطن لم يعد يطالب بالمستحيل، بل يريد أن يشعر بأن هناك إدارة تسبق الأزمة ولا تلاحقها، وأن القرارات تُتخذ وفق رؤية واضحة لا تحت ضغط الأحداث.
ولا شك أن الحكومة تواجه تحديات كبيرة، وأن ظروف المرحلة الانتقالية معقدة، لكن هذه الظروف نفسها تفرض بناء مؤسسات أكثر جاهزية ومرونة. فنجاح الحكومات لا يُقاس بغياب الأزمات، وإنما بقدرتها على إدارتها بكفاءة، وتقليل آثارها، واستعادة الاستقرار في أسرع وقت ممكن.
إن أزمة البنزين الحالية يجب ألا تُقرأ باعتبارها أزمة وقود فقط، بل باعتبارها فرصة لمراجعة آليات اتخاذ القرار، وتطوير منظومة إدارة الطوارئ، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات. فالدول القوية ليست تلك التي لا تتعرض للأزمات، وإنما تلك التي تتعلم من كل أزمة، وتخرج منها أكثر استعداداً لما بعدها.
إن بناء اقتصاد قوي يبدأ من بناء إدارة قوية، وبناء إدارة قوية يبدأ من الاستعداد الدائم، لأن المرحلة المقبلة ستشهد تحديات كثيرة، ولن يكون النجاح فيها لمن يملك الموارد فقط، بل لمن يملك القدرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الصحيح.
