بقلم: الأستاذ مازن كنينة عضو مجلس إدارة غرفة تجارة ريف دمشق
في الاقتصاد، لا تُقرأ الزيارات الرسمية من زاوية البروتوكول فقط، بل من زاوية الرسائل التي تبعثها إلى المستثمرين والأسواق. فحين يزور رئيس دولة بحجم فرنسا دمشق، ويرافقه وفد من رجال الأعمال، وتُوقَّع تفاهمات في قطاعات الطيران والطاقة والتعاون المالي، فإن السؤال الحقيقي لا يكون: ماذا حدث اليوم؟ بل: ماذا يمكن أن يبنى على ما حدث؟
برأيي، هذه هي الزاوية التي ينبغي أن ننظر منها إلى الزيارة. فالعالم الاقتصادي لا يتحرك بالشعارات، وإنما بالثقة. والثقة لا تُصنع بقرار واحد، بل بتراكم خطوات تعطي المستثمر إشارة بأن هناك اقتصاداً يستعيد حركته، ومؤسسات تعمل، ودولة تتجه نحو الاستقرار وبناء بيئة أكثر قدرة على استقطاب رؤوس الأموال.
خلال عملي في القطاع التجاري وعضويتي في مجلس إدارة غرفة تجارة ريف دمشق، ألاحظ أن طبيعة النقاش مع المستثمرين ورجال الأعمال بدأت تتغير. قبل سنوات كان الحديث يتركز على حجم المخاطر، أما اليوم فأصبح يدور حول القطاعات الواعدة، والشراكات الممكنة، وكيفية الدخول إلى السوق السورية في المرحلة المقبلة. وهذا التحول في طريقة التفكير هو بحد ذاته مؤشر اقتصادي يستحق التوقف عنده.
لقد حاول الإرهاب أن يعزل سوريا عن محيطها الاقتصادي، وأن يدمر البنية التي قامت عليها التجارة والصناعة والاستثمار، لكن التجارب العالمية تؤكد أن الاقتصادات التي تمتلك موقعاً جغرافياً استثنائياً، ورأس مال بشرياً مؤهلاً، وقطاعاً خاصاً قادراً على الإنتاج، تستطيع أن تعود إلى مسار النمو متى توافرت الرؤية والإدارة.
وسوريا تملك هذه المقومات. فهي ليست مجرد سوق محلية، بل عقدة جغرافية تربط الخليج العربي وبلاد الشام وشرق المتوسط، وتشكل ممراً طبيعياً للتجارة والنقل والخدمات اللوجستية. وفي عالم يشهد إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، تصبح هذه الميزة عاملاً اقتصادياً لا يمكن تجاهله.
لكن الموقع وحده لا يكفي. فالاستثمار يبحث أيضاً عن تشريعات مستقرة، وإجراءات واضحة، وتمويل قادر على مواكبة المشاريع، وقضاء تجاري سريع، وبنية تحتية حديثة. وإذا نجحنا في استكمال هذه المنظومة، فإن إعادة الإعمار لن تكون مجرد ورشة لإعادة بناء ما دمرته الحرب، بل ستكون فرصة لإعادة بناء اقتصاد أكثر تنوعاً، وأكثر إنتاجية، وأكثر قدرة على المنافسة.
ولا ينبغي أن تُقرأ الاتفاقيات التي وُقعت خلال الزيارة الفرنسية باعتبارها إنجازاً بحد ذاتها، بل باعتبارها بداية لمسار. فالاقتصاد يقيس النجاح بما يتحول إلى مصانع تعمل، وخطوط إنتاج تدور، وشركات تستثمر، وفرص عمل تُخلق، وصادرات تنمو، لا بعدد الوثائق الموقعة.
ومن هنا، فإن المسؤولية اليوم لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، ولا على القطاع الخاص وحده، بل هي مسؤولية مشتركة تتطلب شراكة حقيقية، لأن الدول التي نجحت في إعادة بناء اقتصاداتها بعد الأزمات لم تعتمد على طرف واحد، وإنما على تكامل الأدوار بين الدولة والمستثمر والمؤسسات المالية والقطاع الإنتاجي.
إن ما يبعث على التفاؤل هو أن سوريا تدخل هذه المرحلة وهي تمتلك خبرات صناعية وتجارية تراكمت عبر عقود، وقطاعاً خاصاً أثبت قدرته على الاستمرار رغم أصعب الظروف. وهذه الخبرة ستكون أحد أهم عناصر النجاح في السنوات القادمة إذا أحسنّا توظيفها ضمن رؤية اقتصادية واضحة.
قد لا تغير زيارة واحدة المشهد الاقتصادي بالكامل، لكنها قد تكون بداية لتغيير طريقة نظر العالم إلى سوريا، وطريقة نظر سوريا إلى نفسها أيضاً. والاقتصاد يعلمنا دائماً أن الفرص الكبرى تبدأ بخطوة، ثم تتحول مع الوقت إلى واقع عندما تتوافر الإرادة، ويستمر العمل، وتترسخ الثقة.
إن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة اقتصاد، وإنتاج، وتنافسية، لأن الدول تُبنى اليوم بقدرتها على جذب الاستثمار، وتطوير الصناعة، وفتح الأسواق، وتحويل موقعها الجغرافي إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
وسوريا تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لأن تكون شريكاً فاعلاً في اقتصاد المنطقة إذا استمرت وتيرة الإصلاح والعمل بالمستوى الذي تتطلبه هذه المرحلة.

