syriavest
آراءالنخبة

قرار ترامب قد يغيّر مستقبل سوريا… لكن بشرط واحد.

*بقلم المحامي الدكتور إيهاب أحمد أبو الشامات

قبل أيام، لم يكن الخبر الذي لفت انتباهي هو إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب البدء بإجراءات إزالة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بقدر ما كان السؤال الذي دار في ذهني مباشرة:
هل نحن مستعدون لاستثمار هذه الفرصة إذا اكتملت؟
قد يبدو السؤال غريبًا للبعض، لكن الحقيقة أن الاقتصاديين ينظرون إلى هذا القرار بطريقة تختلف تمامًا عن السياسيين.
فبينما ينشغل السياسيون بقراءة أبعاد القرار الدبلوماسية، كان مديرو البنوك، وشركات التأمين، وصناديق الاستثمار يقرأون الخبر من زاوية مختلفة تمامًا، لأنهم يدركون أن مثل هذه القرارات قد تغيّر طريقة تعامل العالم مع دولة بأكملها.
في الثامن من تموز/ 2026، أبلغ الرئيس الأميركي الكونغرس ببدء الإجراءات القانونية لإزالة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، لتبدأ بعدها فترة المراجعة القانونية البالغة خمسة وأربعين يومًا. وإذا انتهت هذه المدة دون اعتراض وفق الآليات القانونية الأميركية، فمن المتوقع أن تصبح سوريا خارج هذه القائمة خلال شهر آب/ 2026.
وهنا قد يتساءل المواطن العادي:
ما الذي سيتغير إذا خرجت سوريا من هذه القائمة؟
الإجابة أن الأمر لا يتعلق بمجرد اسم يُحذف من وثيقة أميركية، بل بتصنيف ظل يرافق سوريا منذ عام 1979، وكان له أثر قانوني ومالي واسع على علاقتها بالنظام المالي العالمي.
فوجود أي دولة على قائمة الدول الراعية للإرهاب لا يقتصر على البعد السياسي، بل ينعكس على قرارات البنوك العالمية، وشركات التأمين، والمؤسسات المالية، ويجعل أي شركة تفكر في الاستثمار أو التمويل أو حتى إقامة علاقة مصرفية مع تلك الدولة أكثر حذرًا، بسبب ارتفاع المخاطر القانونية والمالية.
ولهذا السبب، لم تكن المشكلة طوال السنوات الماضية أن سوريا تفتقر إلى الفرص الاستثمارية.
فسوريا تمتلك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا، وسوقًا كبيرة، واحتياجات هائلة لإعادة البناء، وموارد بشرية قادرة على العمل والإنتاج.
لكن المستثمر كان يسأل سؤالًا واحدًا قبل كل شيء:
هل أستطيع الاستثمار في سوريا بأمان؟
هذا السؤال كان في كثير من الأحيان كافيًا لتأجيل المشاريع أو إلغائها، حتى عندما كانت الفرص الاقتصادية مغرية.
ومن هنا تأتي أهمية القرار.
فإذا اكتملت إجراءات إزالة سوريا من هذه القائمة، فلن يعني ذلك أن الاستثمارات ستتدفق في اليوم التالي، أو أن جميع التحديات ستختفي فجأة، لكنه سيزيل واحدة من أكبر الإشارات السلبية التي كانت تؤثر في تقييم السوق السورية، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة بناء الثقة.
ولكي نفهم الصورة بصورة أوضح، يكفي أن ننظر إلى تجارب دول أخرى.
فعندما خرجت ليبيا من القائمة عام 2006، عادت شركات نفط عالمية كبرى إلى العمل، واستؤنفت مشاريع واستثمارات في قطاع الطاقة، وتحسنت العلاقات الاقتصادية مع عدد من الشركاء الدوليين، قبل أن تؤثر التطورات الأمنية اللاحقة في هذا المسار.
أما السودان، فقد خرج من القائمة في أواخر عام 2020، واستأنف تعاونه مع المؤسسات المالية الدولية، ووصل إلى مرحلة متقدمة ضمن مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC)، في إطار معالجة ديون خارجية تجاوزت 50 مليار دولار أمريكي. لكن الاضطرابات السياسية والحرب اللاحقة حدّت من الاستفادة الكاملة من تلك الفرصة.
وهنا يقدم لنا التاريخ درسًا مهمًا.
القرارات الدولية قد تفتح الأبواب… لكنها لا تبني الاقتصادات.
فالاقتصاد يبنيه الاستقرار، وسيادة القانون، والمؤسسات، والإدارة الكفؤة، والثقة التي تجعل المستثمر يشعر أن أمواله في بيئة آمنة وقابلة للنمو.
ومن يتابع مسار الدولة السورية الحديثة خلال الأشهر الماضية، يلاحظ أنها تدرك هذه الحقيقة. فقد شهدت المرحلة الأخيرة خطوات مؤسسية مهمة، من بينها الإعلان عن تشكيل مجلس الشعب، وإعادة تشكيل المحكمة الدستورية العليا، وهي خطوات تسهم في استكمال البناء الدستوري والمؤسسي، وتعزز الثقة في مسار الدولة وسيادة القانون.
لكن، وبرأيي، يبقى هناك شرط واحد حتى يتحول هذا القرار إلى نقطة تحول حقيقية.
أن نتعامل معه كمشروع وطني، لا كخبر سياسي.
فلا تستطيع أي حكومة، مهما امتلكت من الإرادة، أن تبني اقتصادًا حديثًا بمفردها.
وفي المقابل، لا يستطيع أي شعب أن يصنع نهضة اقتصادية من دون مؤسسات قوية، وتشريعات مستقرة، وإدارة فاعلة.
الفرصة الحقيقية تبدأ عندما تصبح الدولة والشعب شريكين في الهدف نفسه.
الدولة تضع التشريعات، وتبني المؤسسات، وتحمي الاستثمار.
والشعب يعمل، وينتج، ويبتكر، ويستثمر، ويعيد بناء الثقة، ويؤمن بأن المستقبل يستحق أن يُبذل من أجله الجهد.
لقد عانى السوريون كثيرًا خلال السنوات الماضية، وخسروا الكثير، لكن الشعوب العظيمة لا تُقاس بما مرت به من أزمات، بل بقدرتها على النهوض بعدها.
وربما حان الوقت لأن تتحول جراح الماضي إلى دافع لبناء المستقبل، وأن يصبح اختلاف الأمس درسًا لا يتكرر، لا سببًا لاستمرار الانقسام.
إذا اكتمل هذا القرار خلال شهر آب المقبل، فإن العالم سيكون قد فتح بابًا جديدًا أمام سوريا.
لكن عبور هذا الباب لن يكون مسؤولية المجتمع الدولي، ولا مسؤولية الحكومة وحدها، بل مسؤولية كل سوري يؤمن بأن الوقت قد حان لطي صفحة الماضي بكل ما حملته من ألم، والعمل يدًا واحدة من أجل بناء دولة حديثة، قوية بمؤسساتها، مزدهرة باقتصادها، وواثقة بشعبها.
فالتاريخ يمنح الدول فرصًا استثنائية بين الحين والآخر…
أما تحويل تلك الفرص إلى مستقبل، فهو عمل لا تنجزه الحكومات وحدها، ولا الشعوب وحدها، بل تنجزه الأوطان عندما تتحد إرادة الدولة مع إرادة شعبها.

المنشورات ذات الصلة

خلف ونور مشهداني… حين يلتقي الحضور بالرؤية، ويصبح “سيربترو” عنواناً لمرحلة جديدة

Samer Al-Bashlawi

مجموعة الحرش وشركاه تتألق في سيربترو 2026… وزيارة للمهندس يوسف قبلاوي تؤكد مكانتها في قطاع الطاقة

Samer Al-Bashlawi

صحيفة «الميدان نيوز» المصرية تسلط الضوء على منشور للدكتور إيهاب أبو الشامات دعماً للمنتخب المصري

Samer Al-Bashlawi