🛑✍️بقلم: المهندس سلام أبازيد
في أوقات الأزمات والتحولات الصعبة، تجد المجتمعات نفسها أمام امتحان حقيقي لا يتعلق فقط بمدى قدرتها على الصمود المادي، بل بمدى متانة “النسيج الأخلاقي” الذي يربط أفرادها بعضهم ببعض.
إن التكافل الاجتماعي ليس مجرد شعار براق يُرفع في المناسبات، ولا هو مجرد عمل خيري عابر نلجأ إليه حين تفيض عواطفنا؛ بل هو فلسفة حماية متبادلة، ودرع نسيجه المودة، يضمن ألا يسقط أحدنا في الهاوية بينما يقف البقية يتفرجون.
لقد اعتاد الكثيرون، مع كل أزمة اقتصادية أو معيشية، أن يوجهوا أنظارهم بالكامل نحو الدولة أو الجهات الرسمية، ملقين بكامل اللائمة والمسؤولية عليها في حل كل صغيرة وكبيرة. ورغم أن دور المؤسسات يبقى محوريًا ولا يُلغى، إلا أن الرهان الكامل والاتكالية المطلقة على “الدولة” في كل تفاصيل الحياة اليومية يمثل تسليمًا بالعجز، وغفلة عن القوة الهائلة التي يمتلكها الأفراد والمجتمع الأهلي.
لو نطق الواقع لقال لنا بوضوح: “المسؤولية تبدأ من دائرتك الصغرى”.
تخيلوا معي لو أن كل شخص مقتدر، أو كل عائلة ميسورة الحال، أخذت على عاتقها تفقد من حولها فقط؛ الجار القريب، القريب المعسر، أو الزميل الذي يمر بظرف طارئ. لو أن كل من لديه فائض—سواء كان مالاً، أو خبرة، أو حتى وقتًا—وجهه نحو محيطه المباشر، لما وجدنا بيننا جائعًا يلتف بالبرد، ولا طالبًا يعجز عن إكمال تعليمه، ولا مريضًا يقف عاجزًا أمام ثمن الدواء.
التضامن والمساندة لا يتطلبان ثروات طائلة، بل يتطلبان “وعيًا جمعيًا” وإحساسًا صادقًا بأننا جميعًا في سفينة واحدة:
التركيز على النطاق القريب: ابدأ ب”سلتك الصغرى”. عندما يقيم كل مقتدر احتياجات الدائرة المحيطة به ويغطيها، تتداخل هذه الدوائر التكافلية لتغطي المجتمع بأكمله بشكل تلقائي ومنظم، دون حاجة لبيروقراطية معقدة.
التكافل المتعدد الأشكال: المساندة ليست مالية فحسب؛ بل تشمل الدعم المعنوي، نقل الخبرات، مشاركة الموارد، وحتى إتاحة الفرص وتأمين أسباب العمل والمردود المستدام للمحتاج بدلاً من الاقتصار على المساعدة المقطوعة.
تغيير الذهنية من الاتكالية إلى الفاعلية: عندما نتوقف عن انتظار الحلول الهابطة من الأعلى، ونبدأ بتحريك المبادرات الذاتية من القاعدة، نتحول من مجرد متلقين عاجزين إلى صُنّاع للتغيير وأصحاب أثر حقيقي.
إن قوة أي مجتمع لا تُقاس بما يملكه أثرياؤه، بل بمدى الأمان الذي يشعر به فقراؤه وضاقت بهم السبل. الوقوف معًا والشد من أزر بعضنا البعض ليس خيارًا ترفيًا أو تفضلاً، بل هو شريان الحياة الذي أبقى على إنسانيتنا عبر التاريخ. فلنبدأ من محيطنا اليوم، ولنكن نحن الأمان الذي ننتظره من الآخرين.
