*✅✍️بقلم الأستاذ مازن كنينه عضو مجلس إدارة غرفة تجارة ريف دمشق*
إن الدول لا تدخل التاريخ الاقتصادي من بوابة الصدفة، ولا تُبنى نهضاتها عبر القرارات التقليدية فقط، بل عبر الرؤية العميقة، والإدارة الذكية للموارد، والقدرة على تحويل البيانات والمعرفة إلى قوة إنتاج واستثمار وتنمية.
واليوم، ومع التحولات الكبرى التي تشهدها سورية والانفتاح الاقتصادي العربي والدولي المتزايد عليها، واستكمالاً لجهود الدولة السورية في تطوير البنية الاقتصادية والمؤسساتية، أصبحت الحاجة أكثر إلحاحاً للانتقال إلى مراحل أكثر تطوراً في التخطيط الاقتصادي والإدارة الحديثة للموارد، والانتقال من الاقتصاد التقليدي إلى الاقتصاد المؤسس على المعرفة والتخطيط والتكامل المؤسساتي.
ومن هنا، فإنني أرى أن أحد أهم المشاريع الاستراتيجية التي تحتاجها سورية في هذه المرحلة هو إنشاء بنك معلومات اقتصادي وطني شامل بإشراف الدولة، وبالتعاون مع كافة الاتحادات والهيئات الاقتصادية، وفي مقدمتها اتحاد غرف التجارة السورية، واتحادات الصناعة والزراعة والسياحة والنقل وكافة المؤسسات ذات العلاقة بالشأن الاقتصادي والاستثماري.
إن هذا المشروع لا يمكن النظر إليه كقاعدة بيانات تقليدية، بل كمنظومة سيادية اقتصادية متكاملة، تشكل “العقل التنظيمي” للاقتصاد السوري الحديث، والمرجع الوطني الأول لكل قرار تنموي أو استثماري أو إنتاجي في المرحلة القادمة.
فسورية ليست بلداً محدود الإمكانات، بل دولة غنية بالثروات والموارد والكفاءات والموقع الاستراتيجي والتنوع الاقتصادي، وهي تحتاج اليوم إلى المزيد من التكامل والتنظيم الحديث لهذه القوة ضمن رؤية وطنية حديثة تعتمد على جمع وتحليل وتوظيف المعلومات بطريقة احترافية وعلمية.
ومن الضروري أن تقوم هذه المنظومة على إعداد خارطة اقتصادية شاملة لسورية عبر تقسيمها إلى قطاعات تنموية مترابطة: شمالي، جنوبي، شرقي، غربي ووسطي، بحيث يتم بناء ملف اقتصادي متكامل لكل قطاع ومحافظة، يتضمن: الثروات والموارد الطبيعية الكفاءات البشرية والخبرات الفنية طبيعة المشاريع الأكثر جدوى واقع البنية التحتية والخدمات المناطق الصناعية والزراعية والسياحية الفرص الاستثمارية النوعية التحديات والمعوقات التنموية البيئة القانونية والإدارية الاحتياجات المستقبلية لكل منطقة
إن القيمة الحقيقية لهذا المشروع تكمن في أنه سيساهم في نقل الاقتصاد السوري إلى مرحلة أكثر تطوراً في التخطيط الاستراتيجي، وتعزيز التكامل الوطني، ودعم السياسات الاقتصادية المبنية على الأرقام والوقائع والدراسات الدقيقة.
كما أن المستثمر، سواء كان سورياً أو عربياً أو أجنبياً، عندما يجد أمامه بنك معلومات اقتصادي احترافي وشفاف ومدعوم من الدولة والاتحادات الاقتصادية، فإنه سيشعر بأن هناك بيئة أعمال حقيقية، ومؤسسات تفكر بعقلية الدولة الحديثة، وهذا بحد ذاته عنصر جذب استثماري بالغ الأهمية.
إن العالم اليوم لا يقيس قوة الدول فقط بحجم الأموال أو الموارد، بل بقدرتها على إدارة المعرفة وتحويل المعلومات إلى قرارات منتجة. ولذلك فإن امتلاك سورية لبنك معلومات اقتصادي وطني متكامل يعني امتلاكها لأداة سيادية حديثة قادرة على توجيه الاستثمار، وترشيد الإنفاق، وتعزيز الإنتاج، وتحقيق التنمية المتوازنة، وخلق بيئة اقتصادية أكثر استقراراً وكفاءة.
ولا أبالغ عندما أقول إن هذا المشروع يمكن أن يشكل نقطة التحول الكبرى في مسار الاقتصاد السوري خلال السنوات القادمة، لأنه يؤسس لعقل اقتصادي وطني جامع، قادر على قراءة الواقع، واستشراف المستقبل، وربط موارد الدولة باحتياجات التنمية والاستثمار بطريقة مؤسساتية حديثة تليق بسورية ومكانتها وتاريخها الاقتصادي.
إن بناء الأوطان لا يتم فقط بالإعمار، بل ببناء منظومات تفكير وإدارة قادرة على حماية الموارد، وتوجيه الطاقات، وصناعة الفرص. وسورية اليوم تمتلك كل المقومات لتبدأ مرحلة اقتصادية جديدة أكثر قوة وتنظيماً ووضوحاً وثقة.

