16/10/2026
syriavest
آراءالاقتصادالمصارف والتأميناتالنخبة

الدفع الإلكتروني في سوريا: بطاقات وتطبيقات فوق جزر منفصلة

بقلم: د. محمد عمار دلول

حين تبحث وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات ولجنة الاتصالات والتحول الرقمي في مجلس الشعب الأولويات التشريعية والتنظيمية للقطاع، يصبح من الضروري أن يكون الدفع الإلكتروني في صلب هذا النقاش. فالدفع الرقمي ليس تطبيقاً يُحمَّل على الهاتف، ولا بطاقة تُصدر، ولا قراراً يسمح بالتعامل مع شبكة عالمية. إنه بنية وطنية مشتركة تتقاطع فيها مسؤوليات مصرف سورية المركزي ووزارة المالية ووزارة الاتصالات والمصارف وشركات الدفع والجهات الحكومية.

شهدت سوريا خطوات معلنة في هذا المسار: اعتماد نظام الدفع والتحويل الإلكتروني بالقرار رقم 1124 لعام 2026، والسماح للمؤسسات المالية وشركات الدفع المرخصة بالتعامل مع شبكات عالمية، إلى جانب إطلاق بطاقات وخدمات دفع جديدة. هذه خطوات مهمة، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الحاسم: هل يستطيع كل مصرف ومحفظة وشركة دفع أن يتعامل مع سائر الجهات ضمن قواعد موحدة، أم أن كل جهة تبني مسارها الخاص؟

السماح باستخدام Visa أو Mastercard يفتح باب الاتصال بالشبكات الدولية، لكنه لا ينشئ تلقائياً شبكة وطنية تربط المصارف والمحافظ المحلية بعضها ببعض. كما أن إصدار بطاقة محلية لا يضمن أن تكون قابلة للاستخدام عبر كل نقاط البيع والخدمات الحكومية والمحافظ. وقد عكست التغطية الأولية للإطلاقات الدولية أن الخدمة تبدأ تدريجياً، وأن توسيع قبولها يحتاج إلى عمل تقني وتنظيمي مستمر.

هنا تظهر المشكلة التي طالما حذّرت منها: أن نبني واجهات دفع متعددة قبل أن نبني البنية التي توحّدها. فإذا أُطلقت تطبيقات ومحافظ وبطاقات من دون معيار وطني للربط والتبادل والتسوية، فقد يجد المواطن نفسه أمام حسابات لا تتواصل، وتجار أمام أجهزة أو عقود متعددة، ومصارف أمام تكاملات منفصلة ومكلفة. هذه ليست رقمنة للمنظومة؛ إنها نقل للتجزؤ النقدي إلى شاشات وهواتف.

والأثر ليس شكلياً. غياب الربط البيني يرفع كلفة العمليات على المصارف والتجار، ويضعف انتشار الدفع الإلكتروني، ويجعل نقل الأموال بين الجهات أبطأ وأكثر تعقيداً. كما يصعّب تتبع العمليات ومعالجة الشكاوى وتسوية النزاعات، ويزيد مخاطر التعطل والأخطاء والاحتيال، لأن كل جهة تعمل وفق إجراءاتها وبياناتها وواجهاتها. وحين تتوسع التجارة الإلكترونية والخدمات الحكومية قبل توحيد هذه المسارات، تصبح معالجة التعارضات لاحقاً أصعب وأغلى من تصميمها على أسس سليمة منذ البداية.

ولا يعني ذلك أن التشريعات غائبة بالكامل؛ فقد أُعلن اعتماد إطار للدفع والتحويل الإلكتروني، وتناولت التغطيات الرسمية تنظيم فئات من مقدمي خدمات الدفع ومشغلي أنظمة الدفع. لكن وجود قرار تنظيمي لا يكفي وحده لإثبات اكتمال المنظومة. المطلوب هو تحويل الإطار إلى قواعد تشغيلية معلنة: من يربط الجهات؟ كيف تُوجَّه العملية؟ أين تتم المقاصة والتسوية؟ ما معايير الرسائل والواجهات؟ من يتحمل مسؤولية العملية عند الخطأ أو الاحتيال؟ وما حقوق المستخدم في الاعتراض واسترداد المبالغ وحماية بياناته؟

الحل الذي لا يحتمل التأجيل هو مبدّل وطني للدفع الإلكتروني: بنية مشتركة تسمح بتمرير عمليات الدفع والتحويل بين المصارف وشركات الدفع والمحافظ ونقاط البيع وفق معايير موحدة، وبوصول منظم وعادل للجهات المرخصة. المبدّل ليس تطبيقاً جديداً، ولا مصرفاً ينافس المصارف، ولا بديلاً عن Visa أو Mastercard. إنه طبقة الربط الوطنية التي تجعل الأنظمة المحلية قادرة على التفاهم، وتدعم المقاصة والتسوية وفق تصميم واضح وتحت إشراف الجهات المختصة.

ولكي يؤدي هذا الدور، يجب أن يُبنى ضمن حوكمة معلنة تحدد مسؤوليات مصرف سورية المركزي والوزارات المعنية ومشغل البنية الوطنية، وتفرض معايير للأمن السيبراني وحماية البيانات واستمرارية الخدمة والتوافق التقني. كما ينبغي أن يُصمَّم بحيث لا يتحول إلى بوابة مغلقة تمنح جهة واحدة السيطرة على السوق، بل إلى مرفق موثوق يضمن المنافسة ويتيح الربط وفق شروط شفافة.

التنسيق بين الجهات ليس مجاملة إدارية ولا بنداً بروتوكولياً في الاجتماعات. إنه شرط فني ومالي لحماية الاستثمار العام والخاص. وعلى لجنة الاتصالات والتحول الرقمي أن تدفع باتجاه جدول تشريعي وتنفيذي مشترك، يحدد دور كل جهة ويُلزم بتوحيد المعايير وخطة الربط ومهل التنفيذ، مع نشر ما أُنجز وما بقي من متطلبات.

إطلاق بطاقة خبر جيد، وإطلاق تطبيق خطوة مفيدة، والتعامل مع الشبكات العالمية نافذة مهمة. لكن هذه الخطوات لا تصنع وحدها منظومة دفع وطنية. من دون مبدّل وطني وتنسيق ملزم، سنضيف خدمات جديدة فوق جزر منفصلة، ثم نكتشف أن كلفة وصلها ببعضها أكبر من كلفة بنائها على أساس موحد منذ البداية.

المنشورات ذات الصلة

حسين أوثن: سوريا سوق واعدة لإعادة الإعمار.. والشركات التركية تتهيأ لخطوات استراتيجية مدروسة 🏗️

Samer Al-Bashlawi

طفرة إنتاجية مرتقبة في قطاع الإسمنت السوري.. معمل “حماة 3” يستهدف 11 ألف طن كلينكر يومياً 🏗️

Samer Al-Bashlawi

دمشق تستعرض مستقبل الإنشاءات.. انطلاق فعاليات اليوم الثاني لمؤتمر ومعرض صناعة الإسمنت والمجبول البيتوني 🏗️

Samer Al-Bashlawi