🧠✒️: محمد تيسير طرقجي
خلال الأشهر الماضية، ومن خلال متابعتي للنقاشات الدائرة حول سورية، سواء على وسائل التواصل الاجتماعي أو في اللقاءات الاقتصادية والعامة، أصبحت ألاحظ بوضوح حالة غريبة ومقلقة:
هناك من لا يستطيع رؤية سورية إلا من زاوية الخراب.
وكأن هذا البلد كُتب عليه أن يبقى غارقاً في الفشل والانهيار إلى الأبد، وأي حديث عن تحسن—حتى لو كان بسيطاً—يصبح مادة للسخرية أو التشكيك أو الاتهام أو التقليل من القيمة.
وفي المقابل، هناك أيضاً من يريد أن يقفز فوق الواقع بالكامل، ويتحدث وكأن كل شيء أصبح ممتازاً، وكأن التحديات العميقة التي خلفتها عقود طويلة من الفساد والحرب والعقوبات وسوء الإدارة قد اختفت فجأة.
والحقيقة أن الطرفين معاً لا يساعدان سورية.
لا “حرّاس الأنقاض”،
ولا “باعة الأوهام”.
المشكلة أن البعض اعتاد العيش داخل الأزمة
بعد أكثر من نصف قرن من الاقتصاد المغلق، والفساد، والخوف، ثم سنوات الحرب والانهيار، تشكلت لدى كثيرين حالة نفسية جماعية قائمة على فقدان الثقة بكل شيء.
حتى أصبح البعض يتعامل مع أي خبر إيجابي وكأنه تهديد لسردية داخلية اعتاد عليها.
إذا تحسنت الكهرباء قليلاً… يبدأ الهجوم.
إذا عاد مستثمر… يبدأ التشكيك.
إذا تحركت عجلة الصناعة… يبدأ التقليل من القيمة.
إذا فُتحت نافذة مع العالم… يبدأ الحديث فوراً عن المؤامرة والفشل القادم.
وكأن المطلوب من سورية أن تبقى فقط:
بلد حرب،
وفقر،
وعزلة،
وخراب دائم.
لكن الصورة على الأرض أكثر تعقيداً
أنا لا أتحدث هنا من خلف شاشة فقط.
بل من خلال زيارتي الأخيرة إلى سورية، واجتماعاتي ولقاءاتي المباشرة مع مختلف الشرائح في المجتمع السوري، من صناعيين وتجار ومهنيين ومستثمرين وأصحاب حرف وفعاليات اجتماعية وشبابية في دمشق وحلب ومناطق مختلفة.
وبصراحة، شعرت أحياناً وكأنني أخاطب مجتمعاً يعيش حالة توتر وإنهاك نفسي جماعي بعد سنوات طويلة من الضغط والخوف والانهيار وعدم الاستقرار.
كل طرف غاضب،
وكل فئة تشعر أنها مظلومة،
وكل مجموعة تريد حلولاً فورية وكاملة،
وكأن المجتمع بأكمله يعيش حالة استنزاف عصبي متراكم منذ عقود.
ولهذا كنت أحاول دائماً أن أتحدث بهدوء وتعقل،
وأن أعيد النقاش نحو فهم الواقع كما هو،
لا كما نتمناه أو نخافه.
كنت أحاول أن أشرح أن الحلول الحقيقية لا تأتي بالصراخ ولا بالمزايدات ولا بردات الفعل،
بل بالنظر إلى:
ما هو ممكن،
وما هو واقعي،
وما الذي يمكن أن يقود تدريجياً إلى مستقبل أفضل للجميع.
نعم هناك مشاكل… لكن هناك أيضاً حياة تعود
والصورة التي أراها يومياً تقول بوضوح:
نعم… هناك مشاكل هائلة.
ونعم… الطريق مازال طويلاً وصعباً.
لكن بالمقابل هناك أيضاً:
- رغبة حقيقية بالحياة،
- ومحاولات جدية للعمل والإنتاج،
- ومصانع عادت للعمل،
- وخطوط إنتاج تُركب،
- ومستثمرون يفكرون بالعودة،
- وحركة أسواق بدأت تتحسن تدريجياً،
- وناس تريد أن تبني مستقبلها وتعيش بشكل طبيعي بعد سنوات طويلة من الاستنزاف.
وحتى على المستوى النفسي، شعرت أن جزءاً كبيراً من الناس لم يعد يريد البقاء أسير خطاب اليأس الدائم، بل يريد فرصة حقيقية للخروج من حالة الانتظار والانهيار المستمر.
هل هذا يعني أن الوضع ممتاز؟ بالتأكيد لا.
لكن أيضاً ليس صحيحاً أن كل شيء ميؤوس منه كما يحاول البعض تصويره.
النقد ليس مشكلة… بل حالة طبيعية في كل دول العالم
ومن قال أصلاً إن الدول الناجحة لا يوجد فيها انتقاد أو تذمر أو نقاشات حادة؟
حتى في دول مثل سويسرا، والتي لدي فيها أصدقاء ومعارف، عندما نتحدث أسمع منهم انتقادات دائمة لحكوماتهم، وللضرائب، وللقوانين، ولتكاليف المعيشة، وللخدمات أحياناً.
وهذا أمر طبيعي جداً.
لأن المجتمعات الحية لا تتوقف عن النقد والمراجعة والسعي للتحسين.
التطور الحقيقي ليس حالة ثابتة تصل إليها الدول ثم تنتهي القصة، بل هو Process دائم ومستمر.
كل دولة بالعالم لديها مشاكل وتحديات ونقاشات واعتراضات وضغوط اقتصادية واجتماعية.
لكن الفرق الكبير بين المجتمعات الناهضة والمجتمعات المنهكة نفسياً، هو أن النقد هناك يكون بهدف التحسين والتطوير، وليس بهدف تكريس اليأس أو إقناع الناس أن لا فائدة من أي محاولة للنهوض.
لا يمكن بناء بلد بعقلية “إما جنة أو جحيم”
المشكلة في جزء كبير من الخطاب السوري اليوم أنه انتقل من التطرف إلى التطرف.
إما تصوير سورية كأنها انتهت بالكامل، أو تصويرها كأنها أصبحت فجأة في مصاف الدول المتقدمة.
بينما الحقيقة دائماً أكثر هدوءاً وتعقيداً.
أي بلد خرج من حرب بهذا الحجم يحتاج سنوات طويلة ليستعيد توازنه:
اقتصادياً،
وخدمياً،
واجتماعياً،
ونفسياً أيضاً.
النهوض الحقيقي لا يكون بالشعارات
أنا أؤمن أن سورية قادرة على النهوض، لكن ليس عبر الخطابات العاطفية ولا عبر المكابرة.
بل عبر:
- بناء اقتصاد إنتاجي حقيقي،
- تطوير صناعة قادرة على المنافسة عالمياً،
- تحديث القوانين،
- جذب الاستثمار الحقيقي،
- تطوير البنية التحتية،
- وضع مخططات عمرانية حديثة،
- والفصل بين الإدارة والملكية والابتعاد عن عقلية الاحتكار والمحسوبيات.
سورية لا تحتاج العودة إلى عقلية الاقتصاد المغلق،
ولا إلى عقلية “الدعم الأبدي” الذي يصنع قطاعات عاجزة،
ولا إلى إعادة إنتاج الفوضى القديمة بإسمنت جديد.
بل تحتاج إلى عقلية جديدة بالكامل.
الواقعية ليست تشاؤماً… والتفاؤل ليس وهماً
الواقعية الحقيقية تعني أن نرى الأخطاء بوضوح،
لكن أيضاً أن نعترف بأي خطوة إيجابية عندما تحدث.
أن نشجع النجاح،
وننتقد الفشل،
دون تخوين،
ودون تهويل،
ودون جلد ذات جماعي مستمر.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب هو أن يفقد ثقته بالكامل بإمكانية النهوض.
سورية تستحق فرصة جديدة
بعد كل ما حدث، ربما أكثر ما يحتاجه السوريون اليوم هو استعادة الشعور بأن المستقبل مازال ممكناً.
ليس وهماً…
وليس معجزة…
بل عملاً طويلاً وصعباً وتدريجياً.
فالأوطان لا تُبنى بيوم واحد،
لكنها أيضاً لا تنهض وسط خطاب دائم يقول للناس:
“لا فائدة… ولا أمل… ولا مستقبل”.
وربما الحقيقة التي تزعج البعض اليوم،
هي أن السوريين، رغم كل شيء،
مازالوا يحاولون الوقوف من جديد.
آسف على الإطالة 🙏

