✍️🛑✅بقلم: مازن كنينة عضو مجلس إدارة غرفة تجارة ريف دمشق
ليست قيمة التصريحات الاقتصادية في الكلمات التي تُقال، بل في التوقيت الذي تُقال فيه، وفي الشخص الذي يطلقها. وعندما يعلن رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس عزمه الاستثمار في سوريا، ويدعو رجال الأعمال العرب إلى دخول السوق السورية، فإن الرسالة تتجاوز حدود الإعلام، لتصبح مؤشراً يلفت أنظار المستثمرين إلى بلد بدأ يستعيد حضوره الاقتصادي.
الاستثمار لا يتحرك بالعواطف، ولا يُبنى على الأمنيات، بل على قراءة دقيقة للمستقبل. والمستثمر الذي يملك خبرة طويلة في الأسواق لا يبحث عن الواقع كما هو اليوم فقط، وإنما يقرأ ما سيكون عليه بعد سنوات. ولهذا فإن أي اهتمام من مستثمرين كبار بسوريا يحمل دلالة على أن هناك قناعة بأن المرحلة المقبلة ستكون مختلفة.
سوريا لا تبدأ من الصفر كما يظن البعض، فهي تمتلك تاريخاً صناعياً وتجارياً عريقاً، وموقعاً جغرافياً يجعلها نقطة التقاء للأسواق، إضافة إلى موارد بشرية أثبتت نجاحها أينما وجدت. وما تحتاجه اليوم هو ضخ المزيد من رؤوس الأموال، وإطلاق عجلة الإنتاج، واستثمار الإمكانات الكامنة التي لم تفقد قيمتها رغم سنوات الحرب.
قد يرى البعض حجم التحديات، بينما يرى المستثمر الحقيقي حجم الفرص. فكل مرحلة إعادة بناء تخلق احتياجات جديدة، وتفتح أبواباً واسعة أمام قطاعات الصناعة والعقارات والطاقة والخدمات والسياحة والتكنولوجيا والنقل، وهي قطاعات ستكون محركاً للنمو خلال السنوات القادمة إذا ما توافرت بيئة استثمارية مستقرة ومحفزة.
ومن واقع عملي في القطاع التجاري، أؤمن بأن رأس المال لا يتحرك بحثاً عن الربح فقط، بل يبحث أولاً عن الثقة والاستقرار ووضوح الرؤية. وعندما تبدأ شخصيات اقتصادية بحجم نجيب ساويرس بإعلان اهتمامها بالسوق السورية، فإن القيمة الحقيقية لا تكمن في حجم الاستثمار بقدر ما تكمن في الرسالة التي تصل إلى بقية المستثمرين، ومفادها أن سوريا عادت لتكون حاضرة على خارطة الفرص. وعادةً ما تكون الخطوة الأولى هي الأصعب، لكن ما إن تُبنى الثقة حتى تتبعها استثمارات أخرى، لأن الأسواق الواعدة تفرض نفسها في النهاية.
ولعل الرسالة الأهم اليوم هي أن سوريا لم تعد تُقرأ فقط من زاوية ما خلفته سنوات الحرب، بل من زاوية ما يمكن أن تصنعه السنوات المقبلة. فالدول التي تمتلك إرادة النهوض، وسوقاً واسعة، وموقعاً استراتيجياً، وكفاءات بشرية متميزة، قادرة على استعادة مكانتها متى توافرت الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص والمستثمرين. لذلك، فإن المرحلة القادمة ليست مرحلة انتظار، بل مرحلة صناعة الفرص، ومن يقرأ المشهد بعين اقتصادية يدرك أن سوريا تمتلك من المقومات ما يؤهلها لتكون واحدة من أبرز وجهات الاستثمار في المنطقة خلال السنوات المقبلة.
ومن هنا، فإن دعوة ساويرس ليست مجرد خطوة فردية، بل قد تكون بداية لمرحلة تستعيد فيها سوريا مكانتها كوجهة استثمارية في المنطقة. فالمشاريع الكبرى غالباً ما تبدأ بثقة، ثم تتبعها ثقة أخرى، حتى تتحول إلى حركة اقتصادية متكاملة.
إن ما نحتاج إليه اليوم ليس فقط استقطاب رؤوس الأموال، بل ترسيخ قناعة بأن الاستثمار في سوريا هو استثمار في المستقبل. فالدول تُبنى بالإنتاج والعمل، والاقتصادات تنهض عندما يلتقي رأس المال مع الإرادة، وعندما يؤمن المستثمر بأن أمامه سوقاً واعدة وشعباً قادراً على الإنجاز.
قد لا تكون الطريق سهلة، لكنها بالتأكيد تستحق أن تُسلك. وسوريا، بما تملكه من تاريخ وإمكانات وموقع، قادرة على أن تستعيد مكانتها الاقتصادية، وأن تتحول من جديد إلى محطة رئيسية للاستثمار العربي والإقليمي. واليوم، مع تصاعد الرسائل الإيجابية من شخصيات اقتصادية وازنة، يبدو أن هذه العودة لم تعد مجرد أمنية، بل مساراً يمكن البناء عليه بثقة، شرط أن يُترجم هذا التفاؤل إلى مشاريع حقيقية وشراكات منتجة تُسهم في نهضة الاقتصاد السوري وتفتح آفاقاً جديدة للأجيال القادمة.
