مجلس الشعب أمام فرصة تاريخية لتطوير القانون الأساسي للعاملين في الدولة رقم /50/ لعام 2004 وإدخال نظام الاعتراف بالخبرات المهنية (RPL)
بقلم: المحامي الدكتور إيهاب أحمد أبو الشامات
بينما يبدأ مجلس الشعب السوري الجديد ممارسة مهامه التشريعية، تتجه الأنظار إلى القوانين التي سترسم ملامح سوريا في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار. وستكون التشريعات الاقتصادية والاستثمارية في مقدمة الاهتمام، لكن هناك قانونًا لا يقل أهمية عنها جميعًا، لأنه يتعلق بأهم مورد تملكه الدولة… الإنسان.
إنه القانون الأساسي للعاملين في الدولة رقم /50/ لعام 2004.
وبعد أكثر من عشرين عامًا على صدوره، وبعد ما شهدته سوريا من تحولات عميقة، يبرز سؤال مشروع:
هل ما زال المؤهل الأكاديمي وحده كافيًا للحكم على كفاءة الإنسان واستحقاقه لتولي الوظائف العامة والمناصب القيادية؟
لقد فرضت سنوات الحرب على السوريين واقعًا استثنائيًا، فاضطر آلاف المهنيين إلى تحمل مسؤوليات كبيرة، وإدارة مؤسسات، وقيادة فرق عمل، وتنفيذ مشاريع معقدة، واكتساب خبرات عملية متقدمة داخل مؤسسات الدولة، والقطاع الخاص، والعمل الإنساني، وفي المناطق المحررة.
هذه الخبرات لم تأتِ من الكتب، بل من الميدان، ومن مواجهة التحديات اليومية، ومن القدرة على اتخاذ القرار وإدارة الأزمات وتحقيق النتائج.
ومع ذلك، فإن كثيرًا من أصحاب هذه الكفاءات لا يستطيعون اليوم المنافسة على بعض الوظائف أو التدرج الوظيفي بالشكل الذي يستحقونه، لأن التشريعات النافذة ما زالت تعتمد بصورة رئيسية على المؤهل الأكاديمي.
فالمادتان /3/ و/5/ من القانون الأساسي للعاملين في الدولة رقم /50/ لعام 2004 تنطلقان من تصنيف الوظائف وربطها بالمؤهلات العلمية، وهو أمر كان منسجمًا مع واقع الإدارة العامة عند صدور القانون، إلا أن التطورات العالمية في إدارة الموارد البشرية تفرض اليوم إعادة النظر في هذا المفهوم.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية التعليم الجامعي، فهو سيبقى أساسًا لا غنى عنه، ولا سيما في المهن المنظمة بقوانين خاصة، كالطب والهندسة والمحاماة والقضاء وغيرها.
لكن السؤال الحقيقي هو:
هل يجوز أن تبقى الخبرة المهنية التي اكتسبها الإنسان خلال عشرين أو ثلاثين عامًا خارج دائرة الاعتراف القانوني؟
الإجابة التي تقدمها كثير من دول العالم هي: لا.
فقد اتجهت العديد من الدول إلى تطوير أنظمتها للاعتراف بالخبرات المهنية المكتسبة من العمل، من خلال منهجية الاعتراف بالتعلم والخبرة السابقة (Recognition of Prior Learning – RPL).
ويقوم هذا النظام على مبدأ بسيط وعادل، وهو أن الإنسان قد يتعلم داخل الجامعة، لكنه يتعلم أيضًا داخل مكان العمل، ومن خلال الممارسة اليومية، وإدارة المشاريع، والقيادة، والتدريب، والعمل التطوعي.
ولهذا تخضع هذه الخبرات لعملية تقييم دقيقة تعتمد على الأدلة، والوثائق، وملفات الإنجاز، والمقابلات المهنية، والاختبارات العملية، قبل منح صاحبها اعتمادًا مهنيًا معترفًا به.
ولم تعد هذه الفكرة مجرد نظرية أكاديمية، بل أصبحت جزءًا من السياسات المهنية في عدد من الدول.
ففي فرنسا، تسمح التشريعات المنظمة لمسابقات الوظيفة العامة، في حالات محددة، بقبول المؤهل المعادل أو الخبرة المهنية المعادلة وفق ضوابط قانونية واضحة.
وفي المملكة المتحدة، تعتمد العديد من الهيئات المهنية والجهات الحكومية مفهوم المؤهلات أو الإنجازات المهنية المكافئة، كما تستفيد كلية الشرطة البريطانية (College of Policing) من نظام الاعتراف بالخبرات المهنية ضمن عدد من برامجها الخاصة بالتطوير المهني وإعداد القيادات.
أما أستراليا فقد أدمجت نظام RPL ضمن إطارها الوطني للمؤهلات، كما تعتمد عدة مقاطعات في كندا نظام PLAR للاعتراف بالتعلم والخبرة السابقة، بينما تطبق السويد نظام Validering للتحقق من المهارات المكتسبة من العمل، وتعتمد جنوب أفريقيا نظام RPL ضمن إطارها الوطني للمؤهلات، في حين تطبق فرنسا أيضًا نظام VAE للاعتراف بالخبرة المهنية وفق ضوابط قانونية محددة.
ورغم اختلاف هذه النماذج، إلا أنها تتفق جميعًا على مبدأ واحد:
الكفاءة المهنية أصبحت عنصرًا معترفًا به إلى جانب المؤهل الأكاديمي، والخبرة العملية يمكن أن تكون محل تقييم واعتراف رسمي وفق معايير موضوعية.
ومن هنا، أرى أن مجلس الشعب أمام فرصة تاريخية لتطوير القانون الأساسي للعاملين في الدولة رقم /50/ لعام 2004، ولا سيما المادتين /3/ و/5/، بحيث لا يقتصر شغل الوظائف العامة أو الترقية إليها على المؤهل الأكاديمي وحده، وإنما يفتح القانون مسارًا تشريعيًا جديدًا يقوم على أحد الخيارين:
المؤهل الأكاديمي المعتمد.
أو الاعتماد المهني المعتمد المبني على الاعتراف بالخبرات المهنية وفق منهجية RPL، وذلك في الوظائف التي يحددها القانون، مع بقاء المهن المنظمة بقوانين خاصة خاضعة لشروطها القانونية.
إن مثل هذا التعديل لن ينتقص من قيمة التعليم الجامعي، بل سيضيف إليه مسارًا وطنيًا حديثًا يعترف بالكفاءة المهنية المثبتة، ويمكن الدولة من الاستفادة من آلاف الخبرات الوطنية التي أثبتت جدارتها في ميادين العمل.
وسيصبح معيار الاختيار والترقية والتكليف بالمناصب القيادية قائمًا على العلم أو الكفاءة المهنية المعتمدة، بما يحقق مبدأ وضع الشخص المناسب في المكان المناسب.
كما أن هذا التوجه سيكون أحد أهم أدوات إعادة الإعمار، لأن سوريا ستحتاج خلال السنوات القادمة إلى قيادات إدارية، وخبراء، ومديرين، ومهندسين، واختصاصيين يمتلكون خبرة عملية حقيقية، إلى جانب تأهيلهم العلمي.
وفي هذا السياق، بادرت الهيئة الدولية لحماية المدنيين (ICPC) – مملكة هولندا إلى تطوير منصة دولية للاعتراف بالخبرات المهنية والاعتماد المهني وفق منهجية Recognition of Prior Learning (RPL)، لتكون من أوائل المنصات التي تم تطويرها باللغة العربية والموجهة إلى الدول الناطقة بالعربية.
وقد طورت الهيئة هذه المنصة استنادًا إلى أفضل الممارسات الدولية، كما تم توثيقها ضمن البيانات المؤسسية الخاصة بالهيئة المسجلة لدى الاتحاد الأوروبي، لتكون نموذجًا عربيًا حديثًا يمكن أن تستفيد منه الحكومات، والهيئات المهنية، والمؤسسات التعليمية، ومنظمات المجتمع المدني في تطوير أنظمة إدارة الكفاءات.
وتقدم المنصة مسارين متكاملين:
١-الاعتماد المهني الدولي، الذي يمنح مستويات الممارس، والمتقدم، والخبير بعد تقييم الخبرات والكفاءات وفق منهجية RPL.
٢-المؤهلات المهنية الدولية، والتي تشمل الدبلوم المهني، والماجستير المهني، والدكتوراه المهنية، ضمن منظومة تطوير مهني متكاملة تركز على الكفاءة العملية والخبرة المثبتة.
إن تبني سوريا لهذا النموذج لن يكون مجرد تعديل لبعض مواد القانون، بل سيكون تحولًا حقيقيًا في فلسفة إدارة الموارد البشرية، ينسجم مع التحولات العالمية، ويعيد الاعتبار للخبرة، ويمنح آلاف السوريين فرصة عادلة لإثبات كفاءاتهم وخدمة وطنهم.
فالدول الحديثة لا تبني إداراتها على الشهادات وحدها، ولا على الخبرة وحدها، وإنما على التوازن بين العلم والكفاءة والإنجاز.
ولعل هذه هي الرسالة التي تستحق أن يناقشها مجلس الشعب في بداية دورته الجديدة، لأن إعادة بناء سوريا لا تبدأ بالإسمنت والحديد فقط، بل تبدأ بإعادة بناء الإنسان، والاعتراف بخبراته، وتحديث التشريعات بما يجعل المؤهل الأكاديمي أو الاعتماد المهني طريقين مشروعين لخدمة الدولة، كلٌ في نطاقه الذي يحدده القانون.
إن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان… وعندما نعترف بالكفاءة، فإننا لا نعدل قانونًا فحسب، بل نؤسس لدولة أكثر عدالة، وإدارة أكثر كفاءة، ومستقبل أكثر قدرة على المنافسة.
