16/10/2026
syriavest
النخبةمنير خليفة

شياطين يلمعون ذهباً…(الحلقة الثالثة)…لعبة الضغط النفسي


**كتب رجل الأعمال الأستاذ الفاضل منير خليفة، رئيس المنظمة الدولية لخدمات الطيران**


بعد أن بدأت أشعر بأن هناك شيئاً غير طبيعي، لم يتوقفوا عن استخدام نفس الأسلوب الذي أوصلني إلى هذه المرحلة: الطمأنة وبناء الثقة.
لم يقولوا لي يوماً إن هناك مشكلة كبيرة، بل كانوا دائماً يملكون تفسيراً جاهزاً لكل تأخير.
كانوا يعرفون تماماً أن أكثر ما يخشاه الشخص الذي استثمر أمواله هو الاعتراف بأن شكوكه قد تكون صحيحة، لذلك كانوا يعطونني جرعات صغيرة من الأمل في كل مرة.
مرة يقولون: “الشحنة أصبحت جاهزة.”
ومرة: “بقيت إجراءات بسيطة.”
ومرة: “هناك تأخير بسبب جهة رسمية.”
وفي كل مرة كنت أقترب من لحظة فقدان الثقة، كانوا يعيدون بناء الأمل من جديد.
وهنا أدركت لاحقاً أن المحتال المحترف لا يعتمد فقط على الكذب، بل يعتمد على فهم نفسية الضحية.
فهو لا يريد منك أن تصدق كذبة واحدة فقط، بل يريد أن تدخل في سلسلة من القرارات التي تجعل التراجع صعباً.
في البداية يجعلك تربح.
ثم يجعلك تثق.
ثم يجعلك تزيد المبلغ.
وبعد أن تصبح أموالك ومشاعرك مرتبطة بالصفقة، يبدأ الجزء الأصعب من اللعبة.
فالإنسان لا يخاف فقط من خسارة المال، بل يخاف أيضاً من الاعتراف بأنه أخطأ في التقدير، وهذا الخوف قد يجعله يتمسك بالوهم أكثر.
كنت أظن أنني ألاحق صفقة ذهب مربحة…
لكن الحقيقة أنني كنت ألاحق صورة صنعوها لي بعناية.
صورة لرجل ناجح، ومنجم كبير، وذهب كثير، وأرباح لا تتكرر.
لكن خلف ذلك كله كان هناك شيء واحد لم أره في البداية…
أن بعض الناس لا يبيعون لك الذهب، بل يبيعون لك الحلم بأنك وجدته.
وهنا بدأت مرحلة جديدة…
مرحلة اكتشاف من هم هؤلاء الأشخاص، وكيف استطاعوا بناء هذه الشبكة من الثقة والخداع.

وجوه متعددة للخداع
مع مرور الوقت بدأت أفهم أنني لم أكن أمام شخص واحد فقط، بل أمام منظومة متكاملة من الأدوار.
في عالم الاحتيال الكبير، نادراً ما يعمل المحتال وحده. فكل شخص له وظيفة محددة في بناء الوهم.
هناك من يظهر أمامك بصورة رجل الأعمال الناجح الذي يملك العلاقات والمناجم والشركات.
وهناك من يقدم نفسه كشخص موثوق، وربما صاحب منصب أو قريب من مراكز القرار، حتى يمنح القصة مصداقية أكبر.
وهناك من يظهر كوسيط أو خبير، يتحدث بلغة الأرقام والأسعار العالمية، ويشرح لك تفاصيل تجعلك تشعر أنك أمام صفقة مدروسة وليست مجرد مغامرة.
الأخطر من ذلك أن بعضهم لا يطلب منك الثقة مباشرة…
بل يجعلك تصل إليها بنفسك.
يعطيك كمية صغيرة من الذهب. يجعلك ترى ربحاً سريعاً. يرد على اتصالاتك. يحافظ على صورة الشخص الملتزم.
ثم عندما تتكون القناعة داخلك، تصبح أنت من يدفع نحو زيادة الاستثمار.
وهذه هي الحيلة الأذكى…
أن يجعلك المحتال تشعر أنك صاحب القرار، بينما هو في الحقيقة يقودك خطوة بخطوة إلى المكان الذي يريده.
لقد تعلمت لاحقاً أن أخطر ما في هذه العمليات ليس الكذب الواضح، لأن الكذب الواضح يمكن اكتشافه بسهولة.
الخطر الحقيقي هو الحقيقة الجزئية…
أن يعطيك الشخص جزءاً من الحقيقة، ويمزجها بالكذب، فيصبح من الصعب عليك التمييز بين الواقع والوهم.
فالمنجم قد يكون موجوداً، والذهب قد يكون موجوداً، والأسعار قد تكون حقيقية…
لكن الصفقة نفسها قد تكون مصممة بالكامل لشيء واحد: الوصول إلى أموالك.
في تلك المرحلة بدأت أراجع كل التفاصيل من البداية، كل اتصال، كل وعد، كل كمية وصلتني، وكل قرار اتخذته.
واكتشفت أن أكبر خطأ ارتكبته لم يكن أنني لم أفهم تجارة الذهب…
بل أنني فهمت الناس بطريقة خاطئة.
فبعض الشياطين لا يحتاجون إلى إخفاء وجوههم…
يكفي أن يجعلوك ترى الوجه الذي يريدونك أن تراه.

انتظار الثلاثاء والجمعة
بعد أن أرسلت له ثمن 100 كيلوغرام من الذهب، بدأت مرحلة جديدة لم أعرف وقتها أنها ستكون من أصعب المراحل النفسية.
في السابق كان يرسل الذهب بشكل منتظم عن طريق شركة الطيران الإماراتية التي كانت تسيّر رحلتين فقط أسبوعياً إلى غينيا كوناكري، يومي الثلاثاء والجمعة.
وهنا بدأ ارتباط حياتي بيومي الثلاثاء والجمعة…
كان يتصل بي يوم الأحد أو الاثنين ويقول: “الشحنة ستكون على رحلة الثلاثاء.”
كنت أنتظر يوم الثلاثاء وكأنني أنتظر خبراً سيغير حياتي.
تمر الساعات، وأتابع الأخبار وأنتظر أي اتصال أو رسالة تؤكد وصول الشحنة…
لكن لا شيء.
وعندما ينتهي يوم الثلاثاء دون وصول الذهب، كان يأتي التفسير الجاهز: “حصل تأخير، ستكون على رحلة الجمعة.”
فأعود للانتظار من جديد.
ثم يأتي يوم الجمعة، وأعيش نفس المشهد مرة أخرى…
انتظار، توتر، أسئلة، ثم لا شيء.
ومع مرور الوقت أصبحت أكره يومي الثلاثاء والجمعة، ليس لأنهما يومان عاديان، بل لأنهما أصبحا مرتبطين عندي بالأمل الذي يتبعه الإحباط.
كنت أعيش بين وعد جديد وخيبة جديدة.
والأخطر من ذلك أن الإنسان عندما ينتظر شيئاً يعتقد أنه قادم، يبدأ بالدفاع عن الأمل بدل أن يواجه الحقيقة.
كنت أقول لنفسي: “لا بد أن هناك سبباً، فقد أرسل لي الذهب سابقاً.”
وهذه كانت إحدى أقوى الأدوات التي استخدموها…
أن يجعلوك تتعلق بالماضي الجميل حتى تتحمل الحاضر المؤلم.
لم أدرك وقتها أن كثرة الانتظار ليست مجرد تأخير في الشحن…
بل كانت جزءاً من اللعبة نفسها.

المنشورات ذات الصلة

ضمانات الاستثمار تفتح أبواب سورية أمام رؤوس الأموال… وإعادة الإعمار تدخل مرحلة جديدة

Samer Al-Bashlawi

الاقتصاد الرقمي في سوريا… من الشعارات إلى شروط النهوض

Samer Al-Bashlawi

الأمن المائي في سورية.. استثمار في الاقتصاد وحماية لمستقبل الأجيال

Samer Al-Bashlawi