16/10/2026
syriavest
آراءالنخبة

سوريا.. حين تتحول الجغرافيا إلى قوة اقتصادية

🔴✍️بقلم: مازن كنينه عضو مجلس إدارة غرفة تجارة ريف دمشق

عندما تبدأ الشاحنات بالعودة إلى طريق كانت قد غابت عنه لسنوات، فالأمر لا يتعلق بحركة نقل عابرة فقط، بل برسالة اقتصادية أوسع.

سوريا اليوم تستعيد شيئًا من دورها الطبيعي كممر رئيسي للتجارة في المنطقة. حركة الشاحنات بين الشمال والجنوب، وبين سوريا والأردن والعراق ولبنان، وعودة المرافئ السورية إلى أداء أدوارها اللوجستية، كلها مؤشرات تقول إن الجغرافيا السورية بدأت تستعيد مكانتها التي لم تفقدها في الأصل، وإنما تعطلت بفعل سنوات طويلة من الظروف الصعبة.

فسوريا ليست طريقًا مستحدثًا على خارطة التجارة.

هذا الطريق قديم قدم المنطقة نفسها. فمنذ قوافل التجارة التي كانت تعبر بلاد الشام، كانت هذه الأرض حلقة وصل بين البحر المتوسط وبلاد الرافدين والخليج، وبين المشرق وأوروبا.

ولذلك، فإن ما نشهده اليوم ليس اختراعًا لدور جديد، وإنما عودة تدريجية لدور تاريخي.

لكنني أعتقد أن علينا ألا نتوقف عند هذا الحد.

الترانزيت مهم، وحركة الشاحنات مهمة، ورسوم العبور والخدمات التي ترافقها مهمة، لكن القيمة الحقيقية تبدأ عندما لا تكون سوريا مجرد أرض تمر فوقها البضائع، وإنما مكانًا تنتج فيه هذه البضائع، وتخزن، وتُصنّع، وتُعاد تعبئتها، وتنطلق منه إلى أسواق جديدة.

وهنا أرى أن أمامنا فرصة تستحق التفكير الجدي.

فالمنطقة المحيطة بنا تمتلك مقومات اقتصادية كبيرة. لدينا في سوريا أرض وزراعة وصناعة وخبرات بشرية، ولدينا في العراق سوق واسع وموارد كبيرة، وفي الأردن موقع وخبرة لوجستية، وفي لبنان خبرات تجارية وصناعية، وفي دول الخليج أسواق ورؤوس أموال وقدرات استثمارية كبيرة.

إذا وضعنا هذه العناصر إلى جانب بعضها، فإننا لا نتحدث فقط عن طرق عبور، بل عن منظومة اقتصادية متكاملة.

ولنأخذ مثالًا بسيطًا: لماذا لا يكون المنتج الزراعي السوري جزءًا من سلسلة إنتاج إقليمية؟ ولماذا لا يدخل المستثمر من دولة عربية في شراكة مع صناعي سوري، فيكون الإنتاج هنا والتصنيع أو التعبئة في مكان آخر، ثم التسويق في أسواق المنطقة والخليج؟

هذه هي الأسئلة التي يجب أن نبدأ بطرحها.

لدينا أيضًا ثروة لا تقل أهمية عن الأرض ورأس المال، وهي الإنسان.

الأيدي العاملة السورية أثبتت قدرتها في كل مكان ذهبت إليه. السوري الذي عمل في مصنع أو ورشة أو شركة في الأردن أو لبنان أو مصر أو الخليج أو أوروبا، لم يحمل معه رأس المال فقط، بل حمل معه خبرة ومهارة ومعرفة بسوق العمل.

وأعتقد أن الوقت حان لكي نبحث عن طريقة تعيد جزءًا من هذه الخبرات إلى المنطقة، وتضعها في مشاريع إنتاجية مشتركة.

لكن كل ذلك يحتاج إلى شيء أساسي: بنية تحتية قادرة على حمل هذا الطموح.

فالطريق ليس مجرد طريق.

عندما نؤهل طريقًا دوليًا، فنحن لا نؤهل الإسفلت فقط؛ نحن نفتح طريقًا أمام المصنع للوصول إلى السوق، والمزارع للوصول إلى المستهلك، والميناء للوصول إلى الداخل، والمستثمر للوصول إلى مشروعه.

ولهذا فإن تأهيل الطرق الدولية والمحاور التي تربط الحدود السورية بالمراكز الصناعية والمدن والمرافئ يجب أن يُنظر إليه كجزء من المشروع الاقتصادي للبلاد.

الطريق الذي يربط الشمال بالجنوب، والطريق الذي يصل العراق بالبحر المتوسط، والطريق بين دمشق والحدود اللبنانية والأردنية، والمحاور التي تربط المدن الصناعية بالمرافئ، كلها ليست مشاريع منفصلة عن الاقتصاد، بل هي جزء من قدرته على الحركة.

ولا يمكن أن نتحدث عن نقل حديث من دون أن نتحدث عن الخدمات المرافقة له.

نحن بحاجة إلى مستودعات حديثة، ومراكز لوجستية، وسلاسل تبريد، ونقل متخصص للمواد الزراعية والغذائية القابلة للتلف، وإجراءات جمركية أكثر كفاءة، وخدمات تأمين وتمويل، وربط حقيقي بين الموانئ والطرق والمناطق الصناعية.

فالخسارة التي تحدث للمنتج الزراعي بسبب سوء التخزين أو تأخر النقل هي خسارة اقتصادية لا تقل عن خسارة المصنع عندما يتعطل خط إنتاجه.

ومن هنا، فإن الاستثمار في اللوجستيات ليس استثمارًا في قطاع النقل وحده؛ إنه استثمار في الزراعة والصناعة والتجارة معًا.

ولعل الظروف الإقليمية الأخيرة، وما شهدته طرق التجارة العالمية من اضطرابات، أعادت تذكير الجميع بأهمية وجود أكثر من طريق وأكثر من خيار أمام حركة السلع.

وهذا يعطي منطقتنا فرصة إضافية.

لكن علينا ألا نتعامل معها باعتبارها فرصة مؤقتة فرضتها أزمة هنا أو إغلاق هناك.

الفرصة الحقيقية أن نبني على هذه الحركة، وأن نحولها من حركة شاحنات إلى حركة اقتصاد.

وأعتقد أن التعاون بين رجال الأعمال والمستثمرين في سوريا والأردن والعراق ولبنان ودول الخليج يمكن أن يكون أحد المفاتيح المهمة في هذه المرحلة.

نحن بحاجة إلى أن نبحث عن المصالح المشتركة، لا أن ينظر كل طرف إلى الآخر كمجرد سوق.

فالسوق العراقية يمكن أن تكون امتدادًا للصناعة السورية، ورأس المال الخليجي يمكن أن يجد فرصًا استثمارية في الزراعة والصناعة والخدمات، والموانئ السورية يمكن أن تكون جزءًا من منظومة أوسع تخدم حركة التجارة في المنطقة.

بهذه الطريقة فقط يصبح الموقع الجغرافي السوري قيمة اقتصادية حقيقية.

لا أعتقد أن المطلوب اليوم أن نقول إن سوريا ستصبح مركزًا عالميًا للتجارة بين ليلة وضحاها.

المطلوب أبسط وأكثر واقعية: أن نبدأ من الأشياء التي نملكها أصلًا، وأن نحسن استخدامها.

لدينا موقع.

ولدينا موانئ.

ولدينا طرق ومعابر قابلة للتطوير.

ولدينا أرض زراعية.

ولدينا صناعيون وتجار.

ولدينا كفاءات بشرية كبيرة داخل سوريا وخارجها.

ولدينا محيط عربي يحتاج إلى تكامل أكبر في الإنتاج والتجارة والنقل.

ما ينقصنا هو أن نجمع هذه العناصر ضمن رؤية واحدة.

فالمسألة ليست كم شاحنة ستعبر سوريا غدًا، وإنما ماذا يمكن أن نصنع من حركة هذه الشاحنات بعد عام، وبعد خمسة أعوام؟

إذا استطعنا أن نجعل جزءًا من هذه الحركة مرتبطًا بمصانع ومخازن ومراكز توزيع ومشاريع زراعية وصناعية، فنحن نكون قد انتقلنا من مجرد الاستفادة من موقع سوريا إلى الاستثمار الحقيقي في هذا الموقع.

وهنا تحديدًا أرى أن مستقبل سوريا الاقتصادي يمكن أن يبدأ من الجغرافيا، لكنه لا يجب أن ينتهي عندها.

فالممر الذي تعبره الشاحنات يمكن أن يتحول إلى طريق للاستثمار، والطريق إلى سوق، والسوق إلى مصنع، والمصنع إلى فرص عمل، وفرص العمل إلى نمو واستقرار.

سوريا لا تحتاج إلى أن تبحث عن دور جديد؛ عليها أن تستعيد دورها، ثم تضيف إليه ما تحتاجه المرحلة الجديدة من إنتاج واستثمار وتكامل.

وإذا نجحنا في أن نضع أيدينا بأيدي إخوتنا في العراق والأردن ولبنان ودول الخليج، وأن نجمع رأس المال مع الخبرة، والإنتاج مع الأسواق، والموانئ مع الطرق، فإننا لا نعيد فتح طريق قديم فقط، بل يمكن أن نفتح أمام المنطقة كلها طريقًا جديدًا نحو النمو والازدهار.

المنشورات ذات الصلة

ضمانات الاستثمار تفتح أبواب سورية أمام رؤوس الأموال… وإعادة الإعمار تدخل مرحلة جديدة

Samer Al-Bashlawi

الاقتصاد الرقمي في سوريا… من الشعارات إلى شروط النهوض

Samer Al-Bashlawi

الأمن المائي في سورية.. استثمار في الاقتصاد وحماية لمستقبل الأجيال

Samer Al-Bashlawi