16/10/2026
syriavest
آراءالنخبة

وقُل اعملوا… فالنهوض يبدأ من العمل

🔴✍️بقلم: مازن كنينه عضو مجلس إدارة غرفة تجارة ريف دمشق

«﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾»

عندما نتحدث عن قطاع النفط والغاز في سورية، أعتقد أن أول ما يجب أن نفعله هو أن نكون واقعيين، وأن ننظر إلى الصورة كاملة، لا إلى جزء منها فقط.

هذا القطاع خرج من سنوات طويلة وهو في وضع صعب جداً. منشآت تضررت، وخطوط وشبكات تحتاج إلى إعادة تأهيل، والإنتاج تراجع، والاستثمارات والخبرات غابت. وفوق ذلك كله، تركت سنوات الفساد والمحسوبيات أثراً ثقيلاً على طريقة إدارة هذا القطاع، حتى أصبح في مراحل كثيرة محصوراً بأسماء ودوائر محددة، بدل أن يكون قطاعاً وطنياً مفتوحاً أمام الكفاءات والخبرات وقادراً على التطور.

لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس أن نتوقع نتائج كبيرة خلال فترة قصيرة، وإنما أن ننظر إلى حجم العمل الذي يحتاجه هذا القطاع حتى يستعيد عافيته.

ومن هذه الزاوية، أرى أن ما تقوم به الشركة السورية للبترول يستحق التوقف عنده.

هناك عمل في أكثر من اتجاه وفي أكثر من موقع. استكمال أجزاء جديدة من خط الغاز العربي، وتأهيل منشآت في حمص ودير الزور، وإعادة بعض الوحدات التي توقفت لسنوات إلى الخدمة، وتطوير مراكز التدريب، وتأهيل الكوادر، إلى جانب العمل في النقل والتخزين والتعامل مع احتياجات السوق.

ولعل إعادة البرج الثاني في معمل غاز دير الزور إلى الخدمة بعد أكثر من خمسة عشر عاماً من التوقف، مثال بسيط على أن إعادة بناء هذا القطاع لا تتم بالتصريحات، وإنما بالعمل اليومي في المنشآت والحقول.

وفي خط الغاز العربي أيضاً هناك مشروع كبير يتقدم، يمتد الجزء الجديد منه لنحو 186 كيلومتراً، بما يعزز شبكة النقل ويرفع قدرتها مستقبلاً. وهذا النوع من المشاريع لا تظهر نتائجه فقط في قطاع النفط، بل ينعكس على الكهرباء والصناعة والنقل وعلى الاقتصاد بشكل عام.

ولا يقتصر الأمر على حقول الغاز وخطوط النقل، فـتأهيل المصافي والمنشآت النفطية يمثل جزءاً أساسياً من عملية النهوض. ومصفاة حمص تحديداً تحتاج إلى أعمال صيانة وتأهيل واستعادة للجاهزية في عدد من وحداتها الإنتاجية والفنية. وكل خطوة في هذا الاتجاه تعني قدرة أكبر على الاستفادة من الموارد، وتحسين كفاءة العمل، ودعم استقرار سوق المشتقات النفطية.

والأهم أن سورية بدأت تستعيد اهتمام شركات وخبرات دولية بقطاع النفط والطاقة، وهو أمر يمكن أن يشكل، مع اكتمال الاتفاقيات والاستثمارات المطلوبة، نقلة مهمة في هذا القطاع. فالشركات العالمية لا تأتي فقط برأس المال، وإنما تحمل معها التكنولوجيا والخبرة وأساليب الإدارة والتشغيل الحديثة. وإذا نجحنا في استقطاب هذه الخبرات والاستثمارات بالشكل الذي يحفظ المصلحة الوطنية، فإن انعكاساتها لن تتوقف عند النفط والغاز، بل يمكن أن تمتد إلى الصناعة والنقل والخدمات وفرص العمل، وتعود بالنفع على الاقتصاد والمواطنين.

وفي هذه المرحلة، تبرز أهمية الإدارة التي تقود هذا الملف. فالشركة السورية للبترول بإدارتها، التي تمتلك خبرة مهنية ومعرفة بطبيعة قطاع النفط واحتياجاته، في وقت تحتاج فيه سورية إلى إدارة قادرة على التعامل مع ملفات إعادة التأهيل والتطوير، وعلى الانفتاح على الخبرات والاستثمارات الدولية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مصالح القطاع والثروة الوطنية.

الأمر الآخر الذي أراه مهماً هو الاهتمام بالكوادر.

إعادة تأهيل المركز الوطني للتدريب في حمص ليست تفصيلاً هامشياً. قطاع النفط يحتاج إلى مهندس وفني وعامل مدرب يعرف عمله، ويعرف قواعد السلامة، وقادراً على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة. وإذا أردنا بناء قطاع نفطي مختلف، فلا بد أن نبدأ ببناء الإنسان الذي يديره.

وبالتأكيد، لا تزال أمام الشركة السورية للبترول مهمة كبيرة جداً. فالمنشآت التي تضررت تحتاج إلى إمكانات، والقطاع يحتاج إلى استثمارات وتقنيات وخبرات، كما يحتاج إلى إدارة حديثة وشفافة تضع الكفاءة في مكانها الطبيعي وتفتح الباب أمام جميع الكفاءات السورية.

لكنني أعتقد أن علينا ألا نجلد أنفسنا أكثر مما ينبغي.

نحن نعرف حجم ما خسرناه، ونعرف حجم الخراب الذي أصاب قطاعاتنا، ونعرف أن سنوات طويلة مرت على كثير من مؤسساتنا وهي تعمل في ظروف صعبة جداً. لكن الاستمرار في تعداد الخسائر لن يعيد لنا ما فقدناه.

المطلوب أن نرى ما يمكن إصلاحه، وأن ندعم العمل الجاد، وأن نحاسب عندما يكون هناك تقصير، وفي الوقت نفسه أن نعطي من يعمل فرصة ليكمل عمله.

قطاع النفط ليس قطاعاً عادياً. تحسنه يعني تحسن قطاعات كثيرة معه. كل زيادة في إنتاج الغاز، وكل خط يعاد تشغيله، وكل منشأة تعود إلى العمل، وكل وحدة في مصفاة تستعيد جاهزيتها، وكل خبير أو فني جديد يدخل إلى المنظومة، يعني خطوة إضافية في طريق التعافي الاقتصادي.

وأنا أرى أن الشركة السورية للبترول تعمل اليوم وسط ظروف ليست سهلة، وكأنها جيش من المهندسين والفنيين والعمال يحاول أن يعيد الحياة إلى قطاع أنهكته سنوات طويلة.

قد لا تكون النتائج كلها ظاهرة اليوم، وقد نحتاج إلى وقت حتى نشاهد الصورة كاملة، لكن المؤشرات موجودة، والعمل موجود، وهذا هو المهم.

علينا أن نطالب بالمزيد، نعم. وعلينا أن نراقب ونحاسب، بالتأكيد. لكن علينا أيضاً أن نقول لمن يعمل ويعيد تشغيل منشأة ويؤهل خطاً ومصفاة ويدرب كادراً: استمروا.

فسورية لا تحتاج اليوم إلى المزيد من جلد الذات بقدر ما تحتاج إلى العمل.

وكما تقول الآية الكريمة:

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.

وإذا استمر العمل بهذه الروحية، وطُوّرت الإدارة، وحُميت الثروة الوطنية، وفتح الباب أمام الكفاءات والاستثمار والخبرات العالمية، فأنا على قناعة بأن قطاع النفط والغاز السوري سيستعيد جزءاً مهماً من عافيته، وسيكون له دور أساسي في مرحلة التعافي المقبلة.

ما نحتاجه الآن هو أن نعمل، ثم نترك للنتائج أن تتحدث.

المنشورات ذات الصلة

ضمانات الاستثمار تفتح أبواب سورية أمام رؤوس الأموال… وإعادة الإعمار تدخل مرحلة جديدة

Samer Al-Bashlawi

الاقتصاد الرقمي في سوريا… من الشعارات إلى شروط النهوض

Samer Al-Bashlawi

الأمن المائي في سورية.. استثمار في الاقتصاد وحماية لمستقبل الأجيال

Samer Al-Bashlawi