🔴✅✍️بقلم: مازن كنينه عضو مجلس إدارة غرفة تجارة ريف دمشق
لا تبدأ القيمة الاقتصادية للطريق من لحظة افتتاحه، بل من التغيير الذي يحدثه في حركة الإنتاج والتجارة والاستثمار. فالطريق الذي يختصر زمن نقل البضائع، والسكك الحديدية التي تتيح نقل كميات كبيرة بكلفة مناسبة، يمكن أن يتحولا إلى عاملين مؤثرين في قرارات المستثمرين وقدرة المنشآت على توسيع أعمالها والوصول إلى أسواق جديدة.
من هنا، تبرز أهمية الأرقام التي أعلنها وزير المالية محمد يسر برنية بشأن تخصيص 450 مليون دولار لمشاريع الطرق المركزية و200 مليون دولار لمشاريع السكك الحديدية ضمن مشروع موازنة عام 2027. فهذه المخصصات المقترحة تضع قطاع النقل في صلب النقاش الاقتصادي، وتفتح المجال أمام مرحلة يكون فيها تطوير البنية التحتية جزءاً من بناء قاعدة أكثر كفاءة للإنتاج والتجارة في سورية.
وتكتسب هذه الخطوة دلالتها عند مقارنتها بالمخصصات التي رُصدت لمشاريع الطرق في الموازنة الاستثمارية للعام الجاري، والبالغة 193 مليون دولار. لكن الأهم من الفارق في الأرقام هو كيفية ترجمة الاعتمادات المالية إلى مشروعات تخدم النشاط الاقتصادي، وتنعكس نتائجها على حركة البضائع وتكاليف الأعمال والقدرة التنافسية للمنتجات السورية.
حين تنخفض كلفة النقل تتحسن فرص الإنتاج في الحسابات الاقتصادية، لا يُعد النقل خدمة ثانوية تلي الإنتاج، بل هو جزء من تكلفته النهائية. فالمصنع يحتاج إلى مواد أولية تصل في الوقت المناسب، والمزارع يحتاج إلى نقل محصوله دون تأخير، والتاجر يبحث عن وسيلة تضمن وصول البضائع بكلفة معقولة وانتظام يمكن الاعتماد عليه.
وأي تحسن في هذه المنظومة ينعكس على قرارات أصحاب الأعمال. فكلما أصبحت حركة الشحن أكثر كفاءة، تحسنت قدرة المنشآت على إدارة مخزونها، وخفض الهدر، وتنظيم التوريد والتوزيع. كما تتعزز فرص وصول المنتجات المحلية إلى أسواق أبعد، خصوصاً عندما تكون تكاليف النقل عاملاً حاسماً في المنافسة مع المنتجات المستوردة.
لذلك، فإن تطوير الطرق المركزية ينبغي أن يرتبط بخريطة واضحة للاحتياجات الإنتاجية والتجارية، بحيث تحظى المسارات التي تخدم التجمعات الصناعية والمناطق الزراعية ومراكز التوزيع والمعابر بأولوية تستند إلى دراسات الجدوى وحجم الحركة المتوقعة.
السكك الحديدية خيار اقتصادي طويل الأجل أما الاستثمار في السكك الحديدية، فيحمل أهمية خاصة ضمن منظومة النقل الوطنية.
فالقطارات قادرة، عندما تتوافر البنية التشغيلية المناسبة، على نقل كميات كبيرة من البضائع لمسافات طويلة، بما يتيح خيارات إضافية أمام القطاعات التي تعتمد على الشحن المنتظم والواسع النطاق.
وتتوقف الجدوى هنا على حسن اختيار المسارات، وربطها بالمناطق الصناعية والموانئ والمعابر الحدودية ومراكز التخزين، إلى جانب تأمين الصيانة والتشغيل والخدمات اللوجستية اللازمة. فالخط الحديدي لا يحقق كامل قيمته الاقتصادية إذا بقي معزولاً عن بقية شبكة النقل، وإنما تزداد أهميته عندما يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تتبادل فيها وسائل النقل الأدوار وفق طبيعة الشحنات والمسافات والتكاليف.
ومن شأن هذا التكامل أن يمنح الشركات خيارات أوسع، وأن يدعم انتظام الإمدادات، ويتيح للمنشآت التخطيط على أساس أكثر استقراراً. وهذه عوامل تهم المستثمر المحلي كما تهم الشركات الخارجية التي تدرس كلفة التشغيل وإمكانات الوصول إلى الأسواق قبل اتخاذ قراراتها.
الموقع الجغرافي يحتاج إلى بنية اقتصادية تستثمره تتمتع سورية بموقع يربط أسواقاً ومناطق اقتصادية مهمة، وهو ما يمنحها فرصة لتعزيز دورها في حركة التجارة الإقليمية. غير أن الموقع الجغرافي، مهما بلغت أهميته، لا يتحول تلقائياً إلى عائد اقتصادي؛ إذ يحتاج إلى بنية تحتية فعالة، وإجراءات عبور واضحة، وخدمات لوجستية تنافسية، وبيئة مصرفية وتجارية قادرة على مواكبة حركة الأعمال.
ومن هنا تبرز أهمية النظر إلى الطرق والسكك الحديدية والموانئ والمعابر وشبكات الطاقة والاتصالات باعتبارها حلقات مترابطة. فكلما تحسن الربط بينها، ازدادت قدرة سورية على تقديم خدمات نقل وتوزيع أكثر كفاءة، وتعززت فرصها في جذب الأنشطة الصناعية والتجارية المرتبطة بسلاسل الإمداد الإقليمية.
كما أن تطوير هذه الشبكات يمكن أن يفتح المجال أمام استثمارات مساندة في التخزين والنقل والتوضيب والخدمات اللوجستية، وهي أنشطة توفر فرص عمل وتضيف قيمة إلى الاقتصاد، ولا تقتصر فوائدها على قطاع الإنشاءات وحده.
نجاح الاستثمار يُقاس بما يحققه على أرض الواقع من المهم أن تترافق المخصصات المرصودة مع ترتيب مدروس للأولويات، ودراسات جدوى دقيقة، وآليات واضحة لمتابعة التنفيذ. فالمشروع الناجح هو الذي يحقق غايته الاقتصادية ضمن التكلفة والمدة المحددتين، ويحافظ على جودة البنية المنفذة، ويؤمن متطلبات الصيانة والتشغيل على المدى الطويل.
ويمكن قياس الأثر من خلال مؤشرات ملموسة، أبرزها تغير زمن نقل البضائع، وتكاليف الشحن، وحجم الحركة التجارية، ومدى استفادة المنشآت الإنتاجية من تحسن خدمات النقل، إضافة إلى فرص العمل التي تنشأ خلال التنفيذ وبعد بدء التشغيل.
كذلك، فإن توسيع مشاركة الشركات العربية والأجنبية ذات الخبرة في هذا المجال يتيح الاستفادة من المعرفة الفنية والإدارية، ويوفر فرصاً لبناء شراكات استثمارية طويلة الأجل، شريطة وضوح العقود والالتزامات والمعايير المعتمدة في التنفيذ.
بنية تحتية تخدم التعافي وتفتح آفاق النمو إن الاستثمار في الطرق والسكك الحديدية ليس غاية منفصلة عن بقية السياسات الاقتصادية، بل هو وسيلة لتحسين شروط عمل القطاعات الإنتاجية والتجارية، وتعزيز قدرة الاقتصاد على استيعاب استثمارات جديدة.
وتشكل المخصصات المقترحة لموازنة 2027 فرصة لدفع هذا المسار إلى الأمام، خصوصاً إذا جرى توجيه المشاريع نحو الاحتياجات الفعلية للاقتصاد، وتعزيز التكامل بين شبكات النقل والمراكز الإنتاجية والأسواق المحلية والخارجية.
وفي المحصلة، فإن العائد الأهم من هذه الاستثمارات لن يكون في طول الطرق أو عدد المشاريع المنفذة وحده، بل في قدرتها على تسهيل التجارة، وتخفيض تكاليف الإنتاج، وتحسين حركة البضائع، وخلق فرص جديدة أمام المستثمرين والمنتجين. وعندما تتحول البنية التحتية إلى رافعة للنشاط الاقتصادي، تصبح مساهمتها في التعافي وإعادة الإعمار أكثر قوة ويغدو الموقع الجغرافي لسورية فرصة عملية للنمو والتكامل التجاري.
