syriavest
آراءالنخبة

سوريا… هل نعاقب المستقبل بذاكرة الماضي؟

بقلم: المحامي الدكتور إيهاب أحمد أبو الشامات

أعتقد أن أكثر ما غيّرته الحـ.ـرب في سوريا لم يكن شكل المدن، ولا حجم الخسـ.ـائر، ولا حتى الاقتصاد. أكثر ما غيّرته كان الإنسان.
فالحـ.ـروب لا تترك آثارها على الأرض فقط، بل تتركها أيضًا في داخل البشر، وفي الطريقة التي يفكرون بها، ويستقبلون بها الأخبار، ويمنحون بها ثقتهم للمستقبل.
بعد سنوات طويلة من الألم، لم يعد السوري يرفض الخبر الجيد، لكنه لم يعد يستقبله كما كان من قبل، فأصبح يتوقف قليلًا قبل أن يفرح، ويتساءل: هل سيحدث هذا فعلًا؟
وليس لأن السوري بطبيعته يميل إلى التشاؤم، بل لأن التجارب القاسية جعلته أكثر حذرًا في منح ثقته.
في بداية الثورة السورية، غادرت بلدي مع عائلتي، كما فعل ملايين السوريين الذين فرضت عليهم الظروف مغادرة وطنهم.
ومرت السنوات، لكنني اكتشفت أن الإنسان قد يعتاد الغربة، لكنه لا يتصالح معها. لذلك عدت إلى سوريا قبل التحرير بنحو عامين، لا لأن الظروف أصبحت سهلة، بل لأنني شعرت أن البقاء بعيدًا عن وطني لم يعد يشبهني.
ثم جاء التحرير، فوجدت نفسي أعيشه من داخل سوريا، لا من خلف شاشة، ولا من خلال نشرات الأخبار. وخلال عملي الإنساني بعد التحرير، أتيحت لي فرصة الالتقاء بمئات السوريين من مختلف المحافظات والبيئات. استمعت إلى قصصهم أكثر مما تحدثت، وحاولت أن أفهم قبل أن أحكم.
ورغم اختلاف تجاربهم، لاحظت أمرًا يكاد يجمعهم جميعًا.
لم يكن اليأس، ولم يكن التشاؤم، بل الحذر من تصديق الأمل قبل أن يتحول إلى واقع.
وعندها أدركت أن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تغيّرت سوريا؟ بل أصبح: هل نحاكم حاضرنا ومستقبلنا بوقائع اليوم أم بذاكرة الأمس؟
الحقيقة أنني لا أكتب هذا المقال لأطلب من أحد أن ينسى ما عاشه، فالشعوب لا تبني مستقبلها بالنسيان، كما أنها لا تبنيه بإنكار الألم.
لكنني أكتب لأنني أؤمن أن من حقنا، ونحن نقيم أي مرحلة جديدة، أن نحاكمها بما تحقق فيها، لا بما حدث في مرحلة أخرى.
وربما تكون هذه أصعب معركة نخوضها اليوم؛ ليست مع الواقع، بل مع ذاكرتنا.
عندما تغيّرت الأسئلة… تغيّر معيار الحكم
إذا أردنا أن نحكم بإنصاف على أي مرحلة، فعلينا أولًا أن نتذكر من أين بدأنا.
ففي الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، لم يكن السؤال الذي يشغل معظم السوريين: متى سترتفع الرواتب؟ أو متى ستنخفض الأسعار؟
بل كانت الأسئلة أكثر بساطة وأكثر قسوة:
هل ستبقى مؤسسات الدولة قائمة؟
هل ستستمر الخدمات الأساسية؟
هل ستنجح البلاد في تجنب فوضى جديدة؟
وهل ستكون المرحلة المقبلة أكثر كلفة من المرحلة التي نعيشها اليوم؟
كانت تلك الأسئلة تعكس واقعًا حقيقيًا، ولذلك لا أعتقد أن من العدل أن نقارن سوريا اليوم بالصورة التي نحلم أن تصل إليها بعد سنوات، بل بالصورة التي كانت عليها عند بداية هذه المرحلة.
وعندما نفعل ذلك، سنكتشف أن هناك فرقًا كبيرًا بين تغيّر الواقع وتحقيق الطموح؛ فالواقع قد يبدأ بالتغيّر، بينما يبقى الطموح بحاجة إلى وقت. وهذا لا يعني أن الطريق اكتمل، كما لا يعني أن شيئًا لم يتحرك.
فمنذ الثامن من كانون الأول 2024، بدأت تظهر مؤشرات أولية على خروج سوريا تدريجيًا من حالة العزلة التي عاشتها لسنوات طويلة. فعادت قنوات التواصل مع عدد من الدول العربية والدولية، واستؤنف التعاون مع المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، كما عاد الحديث بصورة أكثر جدية عن الاستثمار وإعادة الإعمار والإصلاح الإداري. وشهدت المرحلة أيضًا إنهاء العمل بقانون قيصر، بما أزال أحد أبرز العوائق أمام انفتاح الاقتصاد السوري، وأخيرًا أُعلن بدء الإجراءات القانونية لرفع سوريا من قائمة الدول الراعـ.ـية للإرهـ.ـاب، في خطوة من شأنها، بعد استكمال مسارها القانوني، أن تفتح آفاقًا أوسع أمام الاستثمار والتعاون الاقتصادي الدولي.
لكن، هل يعني ذلك أن حياة السوريين أصبحت سهلة؟ بالتأكيد لا.
وهل يعني أيضًا أن المشكلات الاقتصادية انتهت؟ الإجابة أيضًا لا.
لكن هناك فرقًا بين بلد كان همه بالأمس الخروج من حقبة طويلة من الظلم والاستبداد والمجازر التي ارتكبها النظام السابق، وبين بلد أصبح همه اليوم البحث عن النهوض، وإعادة بناء مؤسساته، وصناعة مستقبل أفضل لمواطنيه.
وهذا التحول في الأولويات ليس تفصيلًا عابرًا، بل يمثل نقطة فاصلة في مسار الدول؛ فالدول لا تنتقل من الأزمات إلى الاستقرار بقفزة واحدة، وإنما تبدأ أولًا بتغيير الاتجاه، ثم تمضي خطوة بعد أخرى نحو تحقيق النتائج.
والسؤال الذي يشغلني ليس: هل أصبحت سوريا بخير؟ فلا أحد يستطيع أن يدّعي ذلك.
ولكن السؤال الذي أراه أكثر أهمية هو:
هل أصبحت سوريا تمتلك اليوم فرصًا لم تكن تمتلكها بالأمس؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون حول وجود الفرصة، بل حول كيفية إدارتها، ومدى قدرتنا على تحويلها إلى نتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي، ليس للدولة وحدها، بل لنا جميعًا.
لماذا لا يشعر كثير من السوريين بكل هذه التحولات؟
أعتقد أن هذا هو السؤال الذي لا يجوز القفز فوقه، بل ربما يكون أهم سؤال في هذا المقال كله.
فالمواطن، في النهاية، لا يعيش داخل البيانات الرسمية، ولا داخل المؤتمرات، ولا داخل المؤشرات الاقتصادية، بل يعيش داخل بيته، ويقيس كل حديث عن التغيير بما ينعكس على راتبه، وفرصة عمله، والخدمات التي يحصل عليها، وقدرته على أن يعيش بكرامة.
ولهذا فمن الطبيعي أن يسأل: إذا كانت كل هذه التحولات قد بدأت، فلماذا لا أشعر بها؟
وأرى أن هذا سؤال محق، ولا ينبغي التعامل معه بوصفه تشاؤمًا أو رفضًا للتغيير.
لكن في المقابل، هناك سؤال آخر يستحق التفكير:
هل تبدأ نتائج التحولات الكبرى قبل أن تبدأ التحولات نفسها؟
تجارب الدول التي خرجت من الحـ.ـروب تقول إن الطريق لا يسير بهذه السرعة. فاستعادة الثقة بالاقتصاد تحتاج إلى وقت، وجذب الاستثمارات يحتاج إلى بيئة مستقرة، وإعادة بناء المؤسسات تحتاج إلى سنوات من العمل. ولذلك فإن النتائج لا تصل إلى حياة الناس في اللحظة نفسها التي تبدأ فيها القرارات.
وهذا لا يعني أن على الناس أن تنتظر بصمت، ولا يعني أن تُعفى أي حكومة من مسؤولياتها، بل يعني فقط أن نفرق بين بداية المسار والوصول إلى نتائجه.
فمن حق السوري أن يطالب بتحسين معيشته اليوم قبل الغد، ومن حقه أن يرفض الفساد، وأن يطالب بالمحاسبة، وأن ينتقد أي تقصير. ومن حقه أيضًا أن يحكم على أي خطوة بقدر ما تحققه فعلًا، لا بقدر ما يتمناه أو يخشاه.
فالدول لا تُقاس بما تعلنه، بل بما تنجزه، والناس لا تمنح ثقتها للخطب، بل للتجارب.
ولذلك فإن الامتحان الحقيقي لأي مرحلة لا يكون في عدد القرارات التي تصدر، ولا في حجم الاتفاقيات التي تُوقَّع، بل في اللحظة التي يشعر فيها المواطن أن حياته بدأت تتحسن، وأن القانون يحميه، وأن الفرصة أصبحت متاحة للجميع، لا لفئة دون أخرى.
عندها فقط، لن يحتاج أحد إلى إقناع الناس بأن التغيير قد بدأ، لأن الناس تصدّق ما تعيشه أكثر بكثير مما تسمعه.
لقد دفعت سوريا ثمناً باهظاً، ودفع السوريون ثمناً أكبر، ومن الطبيعي أن تترك تلك السنوات في داخلنا حذرًا وأسئلةً وقلقًا من تكرار الخيبات. ولا أعتقد أن أحدًا يملك الحق في مطالبة الناس بأن تنسى ذلك.
لكنني أعتقد، في المقابل، أن من حق سوريا علينا أيضًا ألا نحكم على كل فرصة جديدة بالفشل قبل أن تُختبر، وألا نرفض كل خطوة لأنها لا تشبه ما تمنيناه. فالإنصاف لا يعني أن نصفق لكل شيء، ولا أن ننكر كل شيء، بل أن نعترف بما تحقق، وأن نطالب بما لم يتحقق.
فالماضي نستفيد من دروسه، والحاضر نقيّمه بإنصاف، أما المستقبل فلا يجوز أن نصدر حكمنا عليه قبل أن يمنح فرصته الكاملة.
ويبقى السؤال: هل نحاكم سوريا اليوم بما يحدث فيها الآن أم بما لا تزال ذاكرتنا تحتفظ به من الأمس؟

المنشورات ذات الصلة

من الدولة الرقمية إلى الدولة الذكية… خارطة طريق لإدارة سورية المستقبل

Samer Al-Bashlawi

محمد جنن… حين يكسر العمل النمطية ويمنح المشاريع الصغيرة صوتًا

Samer Al-Bashlawi

هل يصبح المنصب في سوريا بالكفاءة… وليس بالشهادة فقط؟

Samer Al-Bashlawi