syriavest
آراءالنخبةتكنولوجيا

جزر رقمية في سوريا… أين دور وزارة الاتصالات؟

في سوريا، تنشئ وزارات ومؤسسات حكومية مواقع ومنصات وتطبيقات خاصة بها. وقد تبدو هذه المبادرات دليلاً على تسارع التحول الرقمي، لكنها تكشف في الوقت نفسه مشكلة أساسية: كل جهة تتحرك ضمن مشروعها، بينما لا يرى المواطن حتى الآن منظومة حكومية متكاملة تسهّل معاملاته بين المؤسسات.

هنا لا يقتصر السؤال على ضعف البنية التحتية أو نقص التمويل والكفاءات. بل يبرز سؤال مباشر عن دور وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات: إذا كانت الوزارة هي الجهة المعنية بقيادة التحول الرقمي الحكومي وتنسيق معاييره، فلماذا ما زالت المؤسسات تطلق أنظمة متفرقة، ولماذا لا يظهر للمواطن مسار موحد ومترابط للخدمات؟

لا يعني ذلك أن سوريا تفتقر تماماً إلى استراتيجية معلنة. فالوزارة تحدثت عن استراتيجية للتحول الرقمي تمتد حتى عام 2030، تتضمن مراحل للتأسيس، وتقديم الخدمات التفاعلية، ثم تحقيق التكامل الرقمي. لكن الاستراتيجية يجري تحديثها وإعادة إقرارها، فيما تشير تقارير إلى استمرار تكرار الجهود وضعف التنسيق واستكمال ربط الجهات الحكومية بالشبكة الآمنة. وهذا يضع مسؤولية التنسيق في صلب النقاش: وجود استراتيجية لا يكفي إذا لم تتحول إلى قواعد ملزمة وخطة تنفيذ مشتركة تلتزم بها الوزارات.

مبادرات كثيرة… وقيادة وطنية غير واضحة

أطلقت جهات حكومية مبادرات رقمية متباينة؛ من تطبيق الشؤون المدنية لدى وزارة الداخلية، إلى مواقع وخدمات إلكترونية في وزارات الاقتصاد والتنمية الإدارية، وصولاً إلى أنظمة مؤسسية داخل جهات أخرى. وهذه المبادرات قد تكون مفيدة كلٌّ في نطاقها، لكن تكاثرها من دون تكامل يفرض على المواطن التعامل مع حسابات وقنوات وإجراءات مختلفة، وقد يضطره إلى تقديم البيانات والوثائق نفسها مراراً.

هذا هو معنى «الجزر الرقمية»: أن تمتلك كل مؤسسة نظامها، لكن الأنظمة لا تتبادل البيانات ولا تعمل ضمن معايير موحدة. ومسؤولية وزارة الاتصالات لا تقتصر على توفير شبكة أو استضافة منصة؛ بل تشمل وضع المعايير الوطنية، وتنسيق المشاريع الحكومية، وضمان قابلية الأنظمة للتكامل، ومنع تكرار الاستثمار في حلول منفصلة لا تخدم بناء دولة رقمية واحدة.

ومن اللافت أن الحكومة تعمل على إطلاق منصة «وجب» الموحدة للشكاوى، وذكرت سانا أن الهدف منها معالجة تعدد المنصات والروابط الخاصة بالوزارات. هذه خطوة إيجابية، لكنها تكشف أيضاً أن تعدد القنوات صار مشكلة تستدعي إنشاء منصة خاصة لمعالجتها. وقد بدأ العمل على تعريف الجهات بالمنصة تمهيداً لانضمامها، ما يعني أن نجاحها سيعتمد على قدرة وزارة الاتصالات والأمانة العامة لرئاسة الجمهورية على إلزام الجهات بالتكامل معها، وتحديد آلية متابعة الشكاوى ومساءلة المؤسسات عن تأخرها.

الدليل الاسترشادي لا يعوّض التنسيق الملزم

أصدرت الهيئة الوطنية لخدمات تقانة المعلومات دليلاً استرشادياً لتطوير مواقع ومنصات الحكومة، يتناول التصميم والتشغيل والمحتوى والأمن والخصوصية والاستضافة. وهذا يوفر أساساً فنياً مهماً، لكن كلمة «استرشادي» تطرح سؤالاً عملياً: هل تلتزم به جميع المؤسسات؟ ومن يراجع مشاريعها قبل إطلاقها؟ وما الإجراء إذا أُنشئت منصة جديدة بمعزل عن قواعد التكامل الوطنية؟

كذلك، فإن إطلاق أنظمة متكاملة داخل وزارة واحدة، مثل نظام تخطيط الموارد الذي تعمل عليه وزارة الإدارة المحلية، يمكن أن يحسن أداء تلك الوزارة. لكن دور وزارة الاتصالات يجب أن يكون ضمان توافق هذه الأنظمة مع البنية الحكومية المشتركة، حتى لا تتحول كل عملية تحديث مؤسسي إلى نظام مستقل يصعب ربطه لاحقاً ببقية الدولة.

المطلوب من الوزارة: الانتقال من الإعلان إلى إدارة التنفيذ

تحتاج سوريا إلى جهة تقود التحول الرقمي الحكومي فعلياً، لا أن تكتفي بالإعلان عن استراتيجية أو إصدار أدلة فنية. ووزارة الاتصالات، بحكم مسؤوليتها، مطالبة بتقديم خطة معلنة تتضمن:

  • معايير وطنية ملزمة لتبادل البيانات وربط الأنظمة الحكومية.
  • سجلّاً واضحاً بالمشاريع والمنصات القائمة والجديدة، يبيّن كيف ستتكامل.
  • جهة تنسيق بصلاحيات محددة، ومسؤولاً معروفاً عن متابعة التنفيذ في كل وزارة.
  • مراحل زمنية ومؤشرات منشورة تقيس إنجاز الخدمات وتكاملها، لا عدد المواقع والتطبيقات فقط.
  • ضوابط للمشتريات الحكومية تمنع إنشاء أنظمة مغلقة أو مكررة يصعب ربطها.
  • آلية لحماية بيانات المواطنين، وتحديد مسؤولية كل مؤسسة عن جمعها واستخدامها ومشاركتها.

وتتضمن استراتيجية وزارة التنمية الإدارية نفسها أهدافاً تتعلق بتوحيد الإجراءات، وتعزيز التكامل بين الجهات، واستخدام البيانات في التخطيط والقرار. لكن هذه الأهداف تحتاج إلى قيادة تقنية وتنسيقية من وزارة الاتصالات، وإلى ترجمتها إلى التزامات قابلة للقياس على مستوى الحكومة كلها.

ولا يمكن إنجاز هذا الدور بمعزل عن واقع الاتصالات والطاقة والدفع الإلكتروني ونقص الكفاءات. فهذه تحديات حقيقية، وقد أشار البنك الدولي إلى أن أنظمة الإدارة المالية والمشتريات تحتاج إلى تطوير مؤسسي يمهّد لرقمنتها، وأن منظومة المدفوعات ما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على النقد وتحتاج إلى تحديث. لكنها لا تفسر وحدها استمرار تشتت المشاريع؛ إذ إن التنسيق وتوحيد المعايير من المهام التي يفترض أن تقودها الوزارة حتى في ظل الموارد المحدودة.

من يتحمل مسؤولية الجزر الرقمية؟

تتحمل كل وزارة مسؤولية خدماتها وقراراتها التقنية، لكن غياب التكامل على مستوى الدولة لا يمكن أن يُترك لكل مؤسسة كي تعالجه منفردة. وزارة الاتصالات هي الجهة الأقدر على وضع القواعد المشتركة، وتنسيق الأولويات، ومراجعة المشاريع، وربطها باستراتيجية وطنية واحدة. وقد تحدث وزير الاتصالات عن أهمية المنصات الحكومية المشتركة والبنية السحابية ووجود جهة رقمية تنسق المعايير؛ والتحدي الآن هو تحويل هذه الرؤية إلى آلية قائمة ومعلنة وذات صلاحيات واضحة.

في مقالات سابقة، كان التركيز على ضرورة بناء البنية التحتية الرقمية قبل الحديث عن مشاريع كبرى للاقتصاد الرقمي. أما اليوم، فالمشكلة لا تتعلق بالبنية وحدها؛ بل بمن يديرها، ومن يضمن أن تعمل المؤسسات فوقها كمنظومة واحدة. المطلوب من وزارة الاتصالات أن تنتقل من دور المتابعة العامة إلى قيادة التنفيذ والتنسيق والمساءلة.

لن يُقاس نجاح التحول الرقمي بعدد المنصات التي أُطلقت، بل بقدرة المواطن على إنجاز معاملته من دون تكرار الوثائق، وبمدى تبادل البيانات بين المؤسسات، وبوضوح مسؤولية الجهة التي تتأخر في تقديم الخدمة. أما إذا استمرت كل وزارة في بناء نظامها من دون ربطه ببقية الدولة، فستبقى سوريا أمام واجهات رقمية متعددة، فيما تظل الحكومة في عملها اليومي مجموعة جزر منفصلة.
بقلم الدكتور عمار دلول
لمتابعة المزيد من المقالات والتحليلات، يرجى زيارة الموقع الإلكتروني.
وللاستشارات المتخصصة في التحول الرقمي والحكومات الذكية
واتساب:
+968 9369 6500
او عبر الايميل
Dalloul.19811@gmail.com
و يمكنكم متابعة المقالات و المشاركات في الصحف الوطنية و الدولية عبر الموقع
https://drammardalloul.my.canva.site/dr-ammar

المنشورات ذات الصلة

الشراكة الصينية.. من التجارة إلى الاستثمار الميداني.

Samer Al-Bashlawi

ريما داوود تنسج «بوصلة الحياة» من بيت نزار قباني.. حكايتان يلتقي فيهما الحب والإبداع والإنسانية

Samer Al-Bashlawi

الثروة الكامنة في معالجة النفايات في سوريا

Samer Al-Bashlawi