🔴✅✍️مازن كنينه – عضو مجلس إدارة غرفة تجارة ريف دمشق
لم يعد تطوير الاقتصاد اليوم مرتبطاً بتوفير فرص الاستثمار ورؤوس الأموال فحسب، بل أصبح يرتبط أيضاً بمدى قدرة المؤسسات على تهيئة بيئة عمل مرنة، وتقديم خدمات سريعة، وإزالة العقبات التي تواجه أصحاب الأعمال والمستثمرين. ومن هذا المنطلق، تكتسب الخطوات المتخذة لتحديث تسجيل الشركات في سورية، بالتوازي مع العمل على تسهيل حركة التجار ورجال الأعمال نحو الأسواق الخارجية، أهمية تتجاوز حدود الإجراءات الإدارية لتلامس جوهر التعافي الاقتصادي.
إن إطلاق مشروع رقمنة وتطوير تسجيل الشركات يمثل خطوة مهمة في تحديث البنية الإدارية للاقتصاد السوري. فوجود منصة إلكترونية متكاملة، وأرشفة ملايين الوثائق، وربط فروع الوزارة في المحافظات بالمركز الرئيسي، من شأنه أن يحدث تغييراً ملموساً في طريقة تقديم الخدمات، ويختصر الكثير من الوقت والجهد أمام المستثمرين وأصحاب الفعاليات الاقتصادية.
والأهمية الحقيقية لهذا المشروع لا تكمن في نقل المعاملات من الورق إلى الشاشة فقط، بل في بناء منظومة أكثر تنظيماً وشفافية، تتيح للمستثمر معرفة متطلبات تأسيس شركته ومتابعة معاملاته بوضوح، وتمنح الجهات المعنية قاعدة بيانات أكثر دقة تساعدها على تطوير قراراتها الاقتصادية. كما أن مراجعة قانون الشركات وتحديثه بالتوازي مع التحول الرقمي يشكلان فرصة لتطوير الإطار التشريعي بما ينسجم مع متطلبات النشاط الاقتصادي الحديث.
وفي المقابل، فإن تسهيلات منح تأشيرات الدخول للتجار السوريين إلى العراق، بجهود اتحاد غرف التجارة السورية، تحمل أهمية عملية في تنشيط العلاقات الاقتصادية بين البلدين. فالتواصل المباشر بين رجال الأعمال هو المدخل الطبيعي لبناء الثقة، واستكشاف الفرص، وتوقيع العقود، وتطوير الشراكات التجارية والاستثمارية.
والسوق العراقية تمثل مجالاً مهماً أمام التجار والمنتجين السوريين، سواء من حيث فرص التصدير أو التعاون في مجالات التوريد والتوزيع والصناعة والخدمات. وكلما أصبحت حركة رجال الأعمال أكثر سهولة وانتظاماً، ازدادت فرص تحويل العلاقات التجارية إلى مشاريع فعلية وتبادل اقتصادي قوي
ومن وجهة نظري، فإن القيمة الاقتصادية لهذه الخطوات تظهر بصورة أوضح عندما ننظر إليها ضمن سلسلة واحدة تبدأ من لحظة تأسيس الشركة، مروراً بتسهيل نشاطها وحركتها التجارية، وصولاً إلى قدرتها على الوصول إلى الأسواق الخارجية. فالمستثمر لا يبحث فقط عن فرصة واعدة، بل يحتاج إلى بيئة تمنحه وضوح الإجراءات وسرعة الإنجاز وإمكانية بناء علاقات تجارية مستقرة.
وهنا تحديداً تكمن أهمية الربط بين التحول الرقمي والانفتاح التجاري؛ لأن تسهيل تأسيس الشركات من جهة، وتوسيع فرص الوصول إلى الأسواق من جهة أخرى، يمكن أن يحولا النشاط الاقتصادي من مبادرات فردية متفرقة إلى شبكة أعمال أكثر تنظيماً وقدرة على الإنتاج والتوسع. وأعتقد أن نجاح هذه المرحلة سيقاس بمدى انعكاس هذه التسهيلات على عدد الشركات الجديدة، وحجم الاستثمارات، ونمو الصادرات، وفرص العمل.
إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مواصلة هذا المسار، من خلال تطوير الخدمات الحكومية، وتحديث التشريعات، وتعزيز دور غرف التجارة والصناعة في نقل احتياجات القطاع الخاص إلى الجهات المعنية، إلى جانب بناء علاقات اقتصادية إقليمية تقوم على المصالح المتبادلة.
فالاقتصاد لا يتقدم بقرار واحد أو مشروع منفرد، بل بتراكم خطوات عملية تزيل العوائق وتفتح المجال أمام المبادرة والإنتاج والاستثمار. وما نشهده اليوم من توجه نحو الرقمنة وتوسيع قنوات التواصل التجاري يشكل أرضية مهمة لبناء بيئة أعمال أكثر كفاءة، واقتصاد أكثر انفتاحاً وقدرة على استعادة حضوره في الأسواق الإقليمية.
