syriavest
آراءالنخبة

من تصفية التراكمات إلى تحفيز الاستثمار.. الإصلاح الضريبي بوابة الثقة بين الدولة وقطاع الأعمال

🔴✍️بقلم: مازن كنينه – عضو مجلس إدارة غرفة تجارة ريف دمشق

من واقع عملي في القطاع الصناعي، وعضويتي في مجلس إدارة غرفة تجارة ريف دمشق، أدرك جيداً أهمية الملف الضريبي بالنسبة لأصحاب المنشآت التجارية والصناعية، ومدى تأثيره على قراراتهم المالية وخططهم المستقبلية. فالضريبة جزء أساسي من أي اقتصاد منظم، وهي مورد مهم للخزينة العامة، ومن خلالها تستطيع الدولة تمويل خدماتها ومشاريعها والمساهمة في دفع عجلة التنمية. لكن نجاح النظام الضريبي لا يرتبط بالتحصيل وحده، بل بمدى عدالته ووضوحه وقدرته على تحقيق التوازن بين مصلحة الدولة واستمرار النشاط الاقتصادي.

من هذه الزاوية، أرى أن الخطة التي أطلقتها وزارة المالية والهيئة العامة للضرائب والرسوم لمعالجة التراكمات الضريبية القديمة تمثل خطوة مهمة وفي توقيت مناسب، لأنها تعالج ملفاً ظل يشكل عبئاً على عدد من الفعاليات الاقتصادية، وتتيح الانتقال إلى مرحلة جديدة بعيداً عن الملفات العالقة وتعقيداتها.

يعرف أصحاب الأعمال أن وجود ملفات ضريبية مفتوحة لسنوات طويلة ليس مسألة إدارية بسيطة؛ فهو يربك الحسابات، ويصعّب تقدير الالتزامات، وقد يؤثر على قرارات التوسع والاستثمار. وعندما لا يعرف صاحب المنشأة بصورة واضحة ما يترتب عليه من التزامات، يصبح التخطيط المالي أكثر صعوبة.

لذلك فإن معالجة هذه التراكمات وإغلاق الملفات القديمة وفق إجراءات واضحة ومعايير موحدة من شأنها أن تمنح المكلفين مساحة أكبر للاستقرار، وتساعدهم على ترتيب أوضاعهم والانطلاق نحو أعمالهم بثقة أكبر.

وما يستحق الاهتمام في ما أعلنه وزير المالية محمد يسر برنية هو أن الخطة لا تتوقف عند تسوية الملفات المتراكمة، بل تتضمن توحيد أساليب التدقيق، والحد من التقديرات الشخصية غير المنضبطة، ووضع برنامج زمني لإنجاز الملفات ومتابعة التنفيذ بمؤشرات قابلة للقياس. وهذه تفاصيل مهمة، لأن صاحب العمل يريد أن يعرف كيف تتم معالجة ملفه، وما المعايير التي يستند إليها التقييم، وما حقوقه والتزاماته.

كما أن حديث الوزير عن إتاحة الفرصة للمكلفين لإنهاء ملفاتهم بيسر، تمهيداً للانتقال إلى النظام الضريبي الجديد، يحمل أهمية خاصة. فالمطلوب اليوم ألا تنتقل مشكلات السنوات الماضية إلى المرحلة المقبلة، بل أن يبدأ تطبيق التشريعات الجديدة على قاعدة واضحة ومنظمة، يعرف فيها كل مكلف موقعه والتزاماته.

وأعتقد أن النقطة الأهم في هذا الموضوع هي الرسالة التي وجهها الوزير عندما أكد الحرص على إحداث تغيير حقيقي في العلاقة مع قطاع الأعمال والمكلفين، وبناء جسور الثقة مع المواطنين والمستثمرين. هذه ليست عبارة إدارية عابرة، بل هي أساس لأي إصلاح ضريبي ناجح. فالعلاقة بين الإدارة الضريبية والمكلف ينبغي أن تقوم على التعاون والوضوح، وأن يشعر المكلف بأن التعامل معه يستند إلى معايير عادلة وإجراءات مفهومة.

ومن موقعنا كفعاليات اقتصادية، نؤكد أن التاجر والصناعي يدركان أهمية مساهمتهما في الإيرادات العامة، لكنهما يحتاجان في المقابل إلى إجراءات عادلة ومستقرة، وإلى إدارة ضريبية تتعامل مع النشاط الاقتصادي بفهم لطبيعته وظروفه. فالمنشأة التي تعمل وتنتج وتشغّل العمال وتستثمر في السوق هي جزء من القوة الاقتصادية للبلد، ودعم استمراريتها يصب في مصلحة الاقتصاد والخزينة معاً.

وهنا تبرز أهمية التعاون بين وزارة المالية وغرف التجارة والصناعة، ليس فقط في تنفيذ الإجراءات، وإنما أيضاً في نقل ملاحظات المكلفين والاستماع إلى احتياجاتهم، بما يساعد على معالجة أي صعوبات قد تظهر أثناء التطبيق.

نحن أمام فرصة لمعالجة إرث ضريبي تراكم خلال سنوات، وتهيئة بيئة أكثر انتظاماً للعمل في المرحلة المقبلة. والنجاح الحقيقي لهذه الخطة سيكون في النتائج التي يلمسها أصحاب الأعمال، وفي قدرتها على تسهيل الإجراءات وتعزيز الالتزام وتوسيع النشاط الاقتصادي.

فالضريبة العادلة والمنظمة تخدم الدولة كما تخدم الاقتصاد، وعندما يشعر المكلف أن حقوقه محفوظة وأن التزاماته واضحة، تصبح العلاقة مع الإدارة الضريبية أكثر إيجابية. وهذا ما نحتاج إليه اليوم في سورية: دولة قوية بإيراداتها ومؤسساتها، وقطاع أعمال قادر على الإنتاج والاستثمار والمساهمة في إعادة بناء الاقتصاد.

المنشورات ذات الصلة

الشراكة الصينية.. من التجارة إلى الاستثمار الميداني.

Samer Al-Bashlawi

ريما داوود تنسج «بوصلة الحياة» من بيت نزار قباني.. حكايتان يلتقي فيهما الحب والإبداع والإنسانية

Samer Al-Bashlawi

الثروة الكامنة في معالجة النفايات في سوريا

Samer Al-Bashlawi