🧠✒️ محمد تيسير طرقجي
5 تشرين الثاني 2026
مع انطلاق مشاريع إعادة الإعمار ودخول الشركات الدولية إلى سورية، يبرز تحدٍّ أساسي لا يتعلق بمنافسة العامل السوري مع العمالة الأجنبية، بل بمدى جاهزيته للعمل وفق المعايير الفنية والمهنية الدولية التي تعتمدها هذه الشركات. فالمشكلة ليست في قدوم الشركات الأجنبية، وإنما في ضرورة أن تكون أنظمتنا الوطنية وكفاءات عمالنا قادرة على مواكبة متطلبات العمل الحديثة.
لقد امتلك العامل والحرفي السوري عبر عقود خبرات عملية كبيرة في البناء والصناعة والكهرباء والميكانيك والتمديدات وغيرها، لكن الخبرة المتراكمة وحدها لا تكفي دائماً لمواكبة التطورات في المواد والتقنيات وأنظمة التشغيل والسلامة والجودة. فالكهربائي الذي أتقن مهنته قبل عشرين عاماً يحتاج اليوم إلى معرفة الأنظمة الكهربائية الحديثة، وفني التكييف إلى التعامل مع تقنيات التبريد الجديدة، وعامل البناء إلى فهم مواد الإنشاء والعزل ومتطلبات السلامة وفق المواصفات المعتمدة.
من هنا، فإن إعادة تأهيل العمالة السورية ليست إجراءً شكلياً للحصول على شهادات، بل مشروع وطني لتطوير رأس المال البشري ورفع الإنتاجية. ويمكن الاستفادة من منهجية الاعتراف بالتعلم والخبرات السابقة (Recognition of Prior Learning – RPL)، التي تتيح تقييم المهارات المكتسبة بالممارسة، وتحديد الفجوات المعرفية والفنية لدى العامل، ثم استكمالها بالتدريب العملي المتخصص قبل منحه اعتماداً مهنياً حقيقياً.
ولا يجوز أن نكرر تجربة بعض شهادات الحاسوب ICDL، عندما تحولت في بعض الحالات إلى أوراق يحصل عليها المتقدم مقابل رسوم، دون أن تعكس قدرته الفعلية. فالشهادة المهنية يجب أن تكون نتيجة اختبار عملي مستقل يثبت أن صاحبها يستطيع تنفيذ العمل بالمستوى المطلوب، مستخدماً المعدات والمواد الحديثة، وملتزماً بمعايير الجودة والسلامة، وليس مجرد وثيقة تُعلّق على الجدار.
والأهم أن تبدأ هذه المعايير من داخل سورية نفسها، لا أن ننتظر الشركات الأجنبية لتفرضها علينا. فالمطلوب إنشاء إطار وطني للمؤهلات المهنية (National Qualifications Framework – NQF)، يستند إلى المعايير الدولية المناسبة لكل اختصاص، ويحدد مستويات الكفاءة والمسؤولية، ويربط التأهيل والاختبارات العملية ومتطلبات الترخيص بطبيعة المهنة ومخاطرها. وعندها تصبح الشهادة السورية ذات مصداقية وقيمة فعلية، وقابلة للاعتراف بها داخل البلاد وخارجها وفق متطلبات جهات الاعتماد.
وتقع مسؤولية هذا المشروع على الدولة، من خلال جهة وطنية مختصة باعتماد المهارات والمؤهلات، وبالشراكة مع غرف الصناعة والتجارة ونقابات العمال والمؤسسات التعليمية والشركات. ويمكن البدء بمراكز تقييم وتأهيل عملي في دمشق وحلب وحمص، مجهزة بورش ومعدات حديثة، تعتمد اختبارات الأداء الفعلي وبرامج تدريب قصيرة لمعالجة نقاط الضعف، مع الفصل بين جهات التدريب والاختبار والاعتماد لضمان النزاهة ومنع المتاجرة بالشهادات.
ويجب ألا يقتصر هذا المشروع على حرفيي البناء، بل يشمل الفنيين الصناعيين ومشغلي خطوط الإنتاج وفنيي الصيانة والتحكم الآلي والميكانيك والكهرباء الصناعية، وأن يرتبط باحتياجات سوق العمل الفعلية، وبمشاركة الشركات المحلية والدولية في تحديد المهارات المطلوبة وتحديثها بصورة مستمرة.
إننا لا نريد حماية العامل السوري من المعايير الدولية، بل نريد رفع كفاءته ليصبح قادراً على تلبيتها والتفوق فيها. ولا نريد شهادات جديدة نضيفها إلى الملفات، بل مهارات حقيقية نراها في الورش والمصانع ومواقع البناء، تنعكس على جودة الإنتاج وسلامة التنفيذ ومستوى الأجور والإنتاجية.
إعادة إعمار سورية ليست إعادة بناء الحجر وحده، بل فرصة تاريخية لإعادة تأهيل الإنسان السوري مهنياً، وتحويل خبرته المتراكمة إلى كفاءة حديثة معترف بها. وعندما تصبح المعايير الدولية جزءاً من أنظمتنا الوطنية، لن يحتاج العامل السوري إلى استثناء أو مجاملة للحصول على فرصة عمل في بلده، بل سيحصل عليها لأنه مؤهل ويستحقها.
