قراءة اقتصادية في تقرير البنك الدولي – تشرين الأول 2026
في تقريره الاقتصادي الصادر في تشرين الأول 2026 توقع البنك الدولي أن يحقق الاقتصاد السوري نمواً حقيقياً يتراوح بين 8% و10% خلال العام الجاري مقارنة بنمو بلغ 3.6% في عام 2025، وهو تطور مهم في مسار اقتصاد أنهكته سنوات طويلة من الحرب والعزلة وتراجع الإنتاج والاستثمار.
غير أن الرقم رغم أهميته يطرح سؤالاً اقتصادياً أعمق من مجرد الاحتفاء بارتفاع الناتج المحلي الإجمالي:
هل نحن أمام نمو اقتصادي يعيد بناء القدرة الإنتاجية لسوريا أم أمام انتعاش تقوده زيادة الاستهلاك والاستيراد وإعادة الإعمار دون أن يقابله توسع كافٍ في الإنتاج القابل للتصدير؟
هذا السؤال ليس تفصيلاً فنياً، بل يتعلق بطبيعة الاقتصاد السوري خلال السنوات المقبلة وقدرته على تأمين القطع الأجنبي وخلق فرص العمل وتحسين دخل المواطنين والانتقال من التعافي المؤقت إلى النمو المستدام فالنمو الاقتصادي لا يعني بالضرورة تحسن الميزان التجاري…
من أهم ما ورد في تقرير البنك الدولي توقع استمرار العجز التجاري السوري عند مستويات مرتفعة نتيجة تزايد الطلب على المستوردات المرتبطة بإعادة الإعمار وتحسن النشاط الاقتصادي المحلي وهنا تكمن إحدى المفارقات التي تستحق التوقف عندها:
فكلما ارتفع النشاط الاقتصادي، ازدادت الحاجة إلى استيراد الآلات والمعدات والمواد الأولية ومستلزمات البناء والطاقة والسلع الاستهلاكية وهذا أمر طبيعي في اقتصاد يعيد بناء نفسه لكنه قد يتحول إلى ضغط متزايد على الموارد من العملات الأجنبية إذا لم يترافق مع نمو موازٍ في الصادرات.
بمعنى آخر، قد ينمو الاقتصاد بنسبة 10%، بينما يستمر العجز التجاري بالتوسع وتبقى القدرة على تمويل المستوردات مرتبطة بالتحويلات والاستثمارات والمساعدات والتدفقات المالية الخارجية، ولا يعني ذلك أن الاستيراد مشكلة بحد ذاته فاستيراد الآلات والتكنولوجيا ومدخلات الإنتاج قد يكون شرطاً أساسياً لزيادة الصادرات مستقبلاً فالمشكلة الحقيقية تبدأ عندما لا تتحول هذه المستوردات إلى طاقات إنتاجية جديدة وقيمة مضافة وقدرة تنافسية في الأسواق الخارجية.
إن التحدي ليس في تقليل المستوردات بصورة عشوائية وإنما في زيادة قدرة الاقتصاد على تمويل احتياجاته الخارجية من خلال إنتاج وتصدير السلع والخدمات فالتصدير ليس نتيجة للإنتاج فقط بل محرك له
غالباً ما يجري التعامل مع التصدير باعتباره المرحلة الأخيرة من العملية الإنتاجية: ننتج أولاً ثم نبحث عن أسواق لتصريف الفائض لكن التجارب الاقتصادية الناجحة تشير إلى إمكانية اعتماد مسار مختلف يقوم على دراسة الأسواق الخارجية واحتياجاتها ثم تطوير الإنتاج وفقاً للمواصفات والكميات والأسعار المطلوبة فيها وهذا التحول في التفكير مهم جداً بالنسبة إلى سوريا فالسوق المحلية رغم أهميتها تعاني محدودية القدرة الشرائية في حين أن كثيراً من الصناعات تحتاج إلى حجم إنتاج أكبر لتخفيض تكلفة الوحدة وتحقيق الجدوى الاقتصادية، وعندما تستطيع المنشأة الوصول إلى أسواق خارجية، فإنها لا تحقق إيرادات إضافية فحسب بل تتمكن أيضاً من توسيع الإنتاج وتحسين استخدام طاقتها التشغيلية وتوزيع التكاليف الثابتة على كميات أكبر ورفع قدرتها على الاستثمار والتوظيف لذلك فإن تنمية الصادرات ليست مجرد سياسة تجارية بل يمكن أن تكون أداة مباشرة للتنمية الصناعية والزراعية وخلق فرص العمل.
ماذا يمكن لسوريا أن تصدّر؟
لا تحتاج سوريا إلى البدء من الصفر لكنها تحتاج إلى إعادة تقييم واقعية لقدراتها الإنتاجية وفرصها التنافسية.
فالمنتجات الزراعية والغذائية والصناعات النسيجية والمنتجات الكيميائية والمنظفات وبعض الصناعات الهندسية والخفيفة تمثل قطاعات يمكن دراسة فرصها التصديرية وفق معايير واضحة أهمها توفر المواد الأولية وتكلفة الإنتاج والمواصفات والطلب الخارجي والقدرة على التسليم المنتظم لكن من الخطأ الاعتقاد أن امتلاك منتج جيد يكفي لدخول الأسواق الدولية فالمستورد الخارجي لا يشتري المنتج بناءً على منشئه أو جودته وحدهما بل يقارن بين مجموعة متكاملة من العناصر تشمل السعر النهائي واستقرار الجودة والتغليف والشهادات وشروط الدفع والالتزام بمواعيد التسليم واستمرارية التوريد.
وقد تكون لدينا منتجات قادرة على المنافسة من حيث الجودة، لكنها تخسر فرصاً تجارية بسبب ارتفاع تكاليف النقل أو صعوبة التحويلات المالية أو ضعف خدمات التعبئة والتغليف أو عدم القدرة على تجميع الشحنات الصغيرة وهذه ليست مشكلات تخص المصنع وحده وإنما تحديات مرتبطة بالمنظومة التصديرية بأكملها.
لماذا يجب ألا نختزل تنمية الصادرات بالمعارض التجارية؟
من خلال التجربة العملية في التجارة الدولية والعمل المؤسسي المرتبط بتنمية الصادرات أرى أن أحد الأخطاء المتكررة هو اختزال مفهوم تنمية الصادرات بالمشاركة في المعارض أو تنظيم اللقاءات بين المصدرين والمشترين هذه الأنشطة مهمة، لكنها لا تشكل سياسة تصديرية متكاملة فالمشاركة في معرض دولي قد تفتح الباب أمام عشرات العملاء المحتملين لكن السؤال الأهم هو: كم شركة استطاعت تحويل تلك الاتصالات إلى عقود فعلية؟ وكم عقداً تحول إلى شحنات منتظمة؟ وما قيمة الصادرات الإضافية التي تحققت بعد ستة أشهر أو سنة؟
إن نجاح أي برنامج لتنمية الصادرات ينبغي أن يقاس بنتائجه الاقتصادية لا بعدد المشاركات والزيارات والاجتماعات.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من الأنشطة الترويجية المتفرقة إلى برامج متكاملة تشمل تأهيل المنشآت، ودراسة الأسواق وتطوير المنتجات ومعالجة العوائق اللوجستية والمالية ومتابعة الصفقات حتى تنفيذها.
الأسواق المجاورة: الفرصة الأقرب وليست بالضرورة الأسهل
تتمتع سوريا بموقع جغرافي مهم يربط بين تركيا والعراق والأردن ولبنان ويتيح الوصول إلى أسواق الخليج عبر مسارات برية وبحرية متعددة ويشير تقرير البنك الدولي إلى إمكانية تعزيز دور سوريا ممراً إقليمياً للطاقة والخدمات اللوجستية وهي فرصة يمكن أن تتجاوز إيرادات العبور لتشمل خدمات التخزين والتوزيع والتصنيع والتجارة لكن القرب الجغرافي لا يضمن النجاح التجاري فالأسواق المجاورة تضم منافسين يمتلكون خبرات طويلة وشبكات توزيع مستقرة، وبعضهم يستفيد من تكاليف تمويل ونقل وإنتاج أكثر تنافسية ولذلك فإن استعادة الحضور السوري في هذه الأسواق تتطلب عملاً مؤسسياً منظماً يبدأ بتحديد المنتجات القادرة على المنافسة ثم دراسة متطلبات كل سوق وتطوير قنوات التوزيع ومعالجة العوائق التجارية وغير التجارية، وقد يكون من الأكثر جدوى البدء بعدد محدود من الأسواق والقطاعات ذات الفرص الواضحة بدلاً من تشتيت الموارد على عشرات الوجهات دون نتائج قابلة للقياس.
المنشآت الصغيرة والمتوسطة: الحلقة التي تحتاج إلى اهتمام خاص
تمتلك سوريا قاعدة واسعة من المنشآت الصغيرة والمتوسطة لكن كثيراً منها لا يستطيع التصدير بصورة مستقلة فقد يتمكن مصنع صغير من إنتاج سلعة جيدة وبسعر مناسب لكنه يعجز عن تأمين حمولة كاملة أو تحمل تكاليف الشحن والتخليص أو تلبية الحد الأدنى للكميات المطلوبة من المستورد وهنا تظهر أهمية تطوير خدمات الشحن الجزئي وتجميع الصادرات، ومراكز الخدمات اللوجستية المشتركة، وبرامج التصدير الجماعي فهذه الأدوات قد تسمح لعشرات المنشآت بالدخول إلى أسواق كانت مغلقة أمامها لأسباب تتعلق بالحجم والتكلفة لا بجودة المنتج والأهم أن تطوير هذه الخدمات يجب أن يرتبط بأنظمة واضحة للتوثيق والفحص والتتبع والامتثال بما يحمي سمعة الصادرات السورية ويعزز ثقة الأسواق المستوردة.
التمويل والقطاع المصرفي: لا صادرات مستدامة دون حلول عملية
يلفت تقرير البنك الدولي الانتباه إلى استمرار القيود المرتبطة بالاتصال بالنظام المصرفي الدولي ومحدودية التمويل وهي من العقبات المؤثرة في تعافي الاقتصاد وبالنسبة إلى المصدر لا يقتصر أثر هذه التحديات على تحويل الأموال بل يمتد إلى تمويل المواد الأولية وتقديم الضمانات وإدارة مخاطر عدم السداد وتوفير السيولة خلال الفترة الفاصلة بين الإنتاج وتحصيل قيمة الصادرات فقد تكون المنشأة قادرة على تأمين طلبية تصديرية مربحة لكنها لا تمتلك رأس المال العامل اللازم لتنفيذها ولذلك فإن تطوير أدوات تمويل التجارة وضمان ائتمان الصادرات والتمويل المرتبط بالعقود والطلبيات ينبغي أن يكون جزءاً أساسياً من أي استراتيجية وطنية لتنمية الصادرات، كما لا يمكن انتظار اكتمال إصلاح القطاع المصرفي قبل البدء بمعالجة هذه الاحتياجات بل يجب العمل على حلول مرحلية قانونية ومنظمة بالتوازي مع تطوير البنية المالية والمؤسسية.
من النمو الاقتصادي إلى النمو التصديري
إذا كانت توقعات البنك الدولي تشير إلى إمكانية تحقيق نمو اقتصادي يتراوح بين 8% و10% خلال عام 2026 فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل المؤسسات الاقتصادية هو حصة القطاعات القابلة للتصدير من هذا النمو؛ وكم منشأة جديدة دخلت الأسواق الخارجية؟ وكم منشأة استطاعت زيادة صادراتها بصورة مستدامة؟ وهل ارتفعت القيمة المضافة المحلية في المنتجات المصدرة؟ وهل تحسن التنوع الجغرافي والسلعي للصادرات؟
هذه المؤشرات أكثر قدرة على قياس التحول الإنتاجي من الاكتفاء بمتابعة قيمة الصادرات الإجمالية التي قد ترتفع أحياناً نتيجة تغير الأسعار أو زيادة صادرات مادة واحدة.
وأعتقد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى برنامج وطني عملي لتنمية الصادرات يرتكز على تحديد القطاعات ذات الأولوية واختيار الأسواق المستهدفة وتأهيل المنشآت وتطوير البنية اللوجستية وتحسين الوصول إلى التمويل وبناء نظام موثوق للمعلومات التجارية على أن يرتبط هذا البرنامج بمؤشرات أداء معلنة وقابلة للقياس ومراجعة دورية للنتائج وشراكة فعلية مع القطاع الخاص.
الخلاصة: النمو فرصة، والتصدير اختبار للاستدامة.
يحمل تقرير البنك الدولي إشارات مشجعة بشأن تعافي الاقتصاد السوري لكنه يكشف في الوقت نفسه عن تحديات تتعلق بالعجز التجاري والتضخم وضعف التمويل ومحدودية فرص العمل.
ومن وجهة نظري فإن التحدي الاقتصادي في المرحلة المقبلة لا يتمثل فقط في تحقيق معدلات نمو مرتفعة بل في بناء اقتصاد قادر على المحافظة على هذا النمو دون اعتماد مفرط على التدفقات الخارجية.
وهنا تحتل الصادرات موقعاً محورياً لأنها تربط الإنتاج المحلي بالطلب العالمي وتوفر إيرادات بالقطع الأجنبي وتدفع المنشآت إلى تحسين الإنتاجية والجودة وتساهم في خلق فرص عمل مستدامة، فليس المهم فقط أن ينتج الاقتصاد السوري أكثر بل أن يصبح قادراً على بيع المزيد مما ينتجه إلى العالم.
وإذا كان عام 2026 يمثل بداية تعافٍ اقتصادي ملحوظ فإن السنوات التالية يجب أن تكون مرحلة الانتقال من استعادة النشاط الاقتصادي إلى بناء القدرة التنافسية فالاقتصاد الذي ينمو بالاستهلاك يحتاج باستمرار إلى مصادر تمويل أما الاقتصاد الذي ينمو بالإنتاج والتصدير فيبني تدريجياً مصادر تمويل نموه من داخله.
منهل الفارس
خبير في التجارة الدولية وتنمية الصادرات
المصدر المرجعي: البنك الدولي، المرصد الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، والملخص القطري لسوريا، تشرين الأول 2026.
المقال قراءة تحليلية مستقلة مستوحاة من التقرير، ولا تمثل المقترحات الواردة فيه توصيات صادرة عن البنك الدولي.
World Bank Middle East, North Africa, Afghanistan & Pakistan
