.📍..خلال السنوات الماضية، كتبت مراراً عن أهمية بناء دولة رقمية، وإنشاء هيئة وطنية للتحول الرقمي، واعتماد الذكاء الاصطناعي في إدارة الدولة، لأن الاقتصاد الحديث لم يعد يقوم على الطرق التقليدية، بل على البيانات والمنصات الرقمية والتطبيقات الذكية. لكن هناك قضية قانونية بالغة الأهمية ما زالت غائبة عن النقاش، وهي أن البيئة التشريعية الناظمة للتطبيقات الرقمية في سوريا لم تعد تنسجم مع الواقع التقني، بل إن جزءاً منها أصبح يدار خارج الإطار القانوني الصحيح.
لقد تطور العالم من شركات تقليدية تمتلك مقرات وأصولاً ثابتة، إلى منصات رقمية تدير ملايين العمليات اليومية عبر تطبيقات الهواتف المحمولة، بينما ما تزال بعض التشريعات السورية تستند إلى قوانين صدرت قبل ظهور هذا النموذج الاقتصادي أساساً. والأسوأ من ذلك أن بعض هذه القوانين لم تُعدَّل بقانون جديد، وإنما جرى الالتفاف عليها عبر كتب أو تعاميم أو قرارات وزارية أو إدارية حاولت معالجة الواقع الجديد.
وهنا تظهر الإشكالية الدستورية والقانونية.
ففي فقه القانون، هناك مبدأ راسخ يعرف بـ تدرج القواعد القانونية، ويعني أن القاعدة الأدنى مرتبة لا تستطيع تعديل أو إلغاء القاعدة الأعلى منها. فالقانون الصادر عن السلطة التشريعية لا يجوز إلغاؤه أو تعديله بقرار وزير، ولا بتعميم صادر عن مدير عام، ولا حتى بقرار إداري صادر عن أي جهة تنفيذية. فالقرار الإداري وجد لتنفيذ القانون، وليس لإعادة صياغته أو استبداله.
وبالتالي، عندما تصبح التطبيقات الرقمية تعمل عملياً وفق تعليمات أو كتب إدارية تخالف نصوص قوانين نافذة، فإننا لا نكون أمام تطوير تشريعي، بل أمام حالة من عدم اليقين القانوني قد تعرض المستثمرين والإدارة معاً لمخاطر قانونية كبيرة.
ومن الناحية الفنية، فإن التطبيقات الرقمية ليست مجرد نسخة إلكترونية من الشركات التقليدية، بل تمثل نموذجاً اقتصادياً مختلفاً بالكامل.
فالتطبيق قد لا يملك مركبة واحدة، ولا يوظف سائقاً واحداً، ولا يحتفظ بمخزون، ومع ذلك يدير آلاف العمليات يومياً من خلال منصة إلكترونية تعتمد على الخوارزميات، والدفع الرقمي، والهوية الرقمية، والبيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي.
وهذا النموذج يحتاج إلى تشريعات جديدة تعالج قضايا لم تكن موجودة عند صدور القوانين الحالية، مثل:
- الترخيص الرقمي للمنصات.
- مسؤولية مشغل التطبيق وحدودها القانونية.
- حماية البيانات الشخصية.
- الأمن السيبراني.
- العقود الإلكترونية.
- التوقيع الإلكتروني.
- تنظيم الاقتصاد التشاركي.
- المدفوعات الرقمية والمحافظ الإلكترونية.
- استخدام الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات التشغيلية.
- حقوق المستهلك في البيئة الرقمية.
كما أن المستثمر الأجنبي أو المحلي لا يبحث فقط عن فرصة اقتصادية، بل يبحث أولاً عن اليقين القانوني. فلا يمكن جذب شركات التكنولوجيا العالمية أو تشجيع الشركات السورية الناشئة إذا كانت البيئة التنظيمية تعتمد على اجتهادات إدارية متغيرة، يمكن تعديلها بكتاب جديد في أي وقت.
إن بناء اقتصاد رقمي مستدام يتطلب أن تكون القواعد القانونية مستقرة، واضحة، ومتوافقة مع التطور التقني، وأن يصدر تنظيم القطاعات الرقمية من خلال قوانين حديثة أو تعديلات تشريعية متكاملة، وليس عبر حلول مؤقتة تتجاوز الهرم التشريعي.
واليوم، ومع انطلاق مرحلة إعادة بناء الدولة السورية، تبدو الفرصة مناسبة لإجراء مراجعة شاملة لكافة القوانين المرتبطة بالاقتصاد الرقمي، بحيث يتم استبدال التشريعات التي تجاوزها الزمن بمنظومة قانونية حديثة تنظم عمل التطبيقات والمنصات الرقمية وفق أفضل الممارسات الدولية، وتمنح المستثمر، والمواطن، والإدارة العامة إطاراً قانونياً واضحاً ومستقراً.
إن التحول الرقمي الحقيقي لا يبدأ بشراء الخوادم أو إطلاق التطبيقات، بل يبدأ من تحديث التشريع. فالقانون هو البنية التحتية الأولى للاقتصاد الرقمي، وكلما كانت هذه البنية أكثر صلابة ووضوحاً، أصبحت الدولة أكثر قدرة على جذب الاستثمار، وتحفيز الابتكار، وحماية الحقوق، وبناء ثقة المجتمع في الخدمات الرقمية.
وكما أن المدن الذكية تحتاج إلى شبكات حديثة، فإن الدولة الرقمية تحتاج أولاً إلى تشريعات حديثة. فلا يمكن أن نقود تطبيقات المستقبل بعجلة قوانين الأمس، ولا أن نستبدل إرادة المشرّع بقرار إداري مهما كانت دوافعه. فاستقرار القانون ليس ترفاً تشريعياً، بل هو حجر الأساس لكل تحول رقمي حقيقي.
بقلم الدكتور عمار دلول
لمتابعة المزيد من المقالات والتحليلات، يرجى زيارة الموقع الإلكتروني.
وللاستشارات المتخصصة في التحول الرقمي والحكومات الذكية
واتساب:
+968 9369 6500
او عبر الايميل
Dalloul.19811@gmail.com
و يمكنكم متابعة المقالات و المشاركات في الصحف الوطنية و الدولية عبر الموقع
https://drammardalloul.my.canva.site/dr-ammar
