syriavest
آراءالنخبة

برأس مال صغير.. مشروعات منزلية قابلة للنمو في السوق السورية


الثورة السورية – مجد عبيسي

في ظل ارتفاع تكاليف تأسيس المشروعات الكبيرة وصعوبة توفير رؤوس الأموال اللازمة، تتجه الأنظار إلى المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر كخيارات أكثر مرونة للراغبين بدخول سوق العمل أو إطلاق مصدر دخل جديد، ولا سيما تلك التي يمكن البدء بها من المنزل وبإمكانات محدودة.

وتتنوع هذه المشروعات بين الصناعات المنزلية والخدمات الرقمية والأنشطة الزراعية والإنتاجية، فيما يبقى نجاحها مرتبطاً بدراسة السوق، وحسن إدارة الموارد، والقدرة على التوسع التدريجي.

وتميل التعريفات المتداولة في الأوساط الاقتصادية إلى وصف المشروعات متناهية الصغر بأنها المشروعات التي يتراوح عدد العاملين فيها بين عامل واحد وخمسة عمال، وقد تشمل صاحب المشروع فقط، ويكون رأس مالها أقل من 500 دولار.

ولا تشمل هذه المشروعات ملكية المحل التجاري، إذ تُقام غالباً ضمن المنزل أو في مساحة صغيرة مستأجرة.

أما المشروعات الصغيرة فهي المشروعات التي يتراوح عدد العاملين فيها بين 6 و25 عاملاً، ويتراوح رأس مالها بين 500 و5,000 دولار.

ويُخصص هذا المبلغ لرأس المال التشغيلي وشراء المواد الخام والمعدات الأساسية، ولا يشمل إيجار المحل أو شراء العقار.

مشروعات قابلة للنجاح
يرى رجل الأعمال تيسير طرقجي أن السوق السورية، بعد سنوات الحرب، تعاني من انخفاض القوة الشرائية، لكنها في المقابل تمتلك طلباً كبيراً على المنتجات والخدمات الأساسية، إضافة إلى فرص واسعة لإحلال المنتج المحلي محل المستورد.

ويتفاءل طرقجي بأن المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر تمثل مشروعات واعدة لأسباب عدة، تتمثل بوجود طلب حقيقي ومستمر على المنتج أو الخدمة، وإمكانية إحلال المنتج المحلي بديلاً عن المستورد، وانخفاض رأس المال نسبياً مقارنة بالمشروعات الكبيرة، وإمكانية التوسع التدريجي دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة منذ البداية، فضلاً عن قدرتها على خلق فرص عمل وإضافة قيمة محلية.

من جهته، يشير رجل الأعمال محمد الحلاق، إلى أن أكثر المشروعات الصغيرة قابلية للنجاح في السوق السورية هي المشروعات غير الملموسة، كالتطبيقات الإلكترونية التي لا تحتاج إلى أصول ثابتة، وتعتمد على الكفاءة والجودة والسرعة وتلبية احتياجات المستخدمين، مع اعتماد الحوكمة الرشيدة منذ البداية.

ويضيف الحلاق لصحيفة “الثورة السورية” أن الحد الأدنى لرأس المال اللازم بالدولار يختلف بحسب طبيعة المشروع، موضحاً أن أسباب جاذبية هذه المشروعات في الظروف الراهنة تتمثل بانخفاض الحاجة إلى أصول ثابتة باهظة، والاعتماد على الكفاءة بدلاً من الموجودات المادية، وإمكانية البدء بفريق صغير والتوسع تدريجياً، والانتقال من مشروع فردي إلى مؤسسة متكاملة، وتحقيق الاستدامة عبر المتابعة الدقيقة وبناء بنية تحتية قوية.

مشروع صغير.. طموح كبير
يرى الحلاق أن أكبر المشروعات الصغيرة في السوق السورية هو المشروع الذي يبدأ صغيراً بطموح كبير، ويُحكّم الحوكمة الرشيدة منذ البداية، من خلال تدوين كل تفصيل وكل معيار وآلية تطبيقه، بما يضمن الاستمرارية والانتقال من مشروع فردي إلى مؤسسة متكاملة قد ينضم إليها أفراد الأسرة لاحقاً. ويؤكد أن تحقيق ذلك يصبح أكثر قابلية عند رسم خارطة العمل مبكراً، والاستعانة بالخبرات والدورات.

ويشير إلى أن المشروعات اليوم تنقسم إلى نوعين: ملموسة وغير ملموسة. فالمشروعات غير الملموسة، كالتطبيقات الإلكترونية، لا تحتاج إلى أصول ثابتة، إذ يمكن البدء باستئجار مكتب وتجهيزات بسيطة، ثم توظيف كوادر والإنفاق على تطوير المنتج. وتكمن قيمة هذه المشروعات في كفاءتها وجودتها وسرعتها وقدرتها على تلبية احتياجات المستخدمين، وليس في موجوداتها المادية.

أما المشروعات التقليدية الملموسة، كالعقارات والتوظيف المباشر، فتختلف، إذ ترتبط بأصول مادية واضحة المعالم.

ويضيف أن النجاح في النهاية يقوم على خبرة إدارية، وإدارة مالية رشيدة، ومتابعة دقيقة، وفريق مختص في كل مجال (المحاسبة، والموارد البشرية، واللوجستيات)، والاسترشاد بمن لا تدفعه عواطفه إلى اتخاذ القرارات.

بينما يقول طرقجي لصحيفة “الثورة السورية”، إن المشروعات يمكن أن تبدأ من المنزل أو من مساحة صغيرة، مثل التجارة الإلكترونية، وتصميم وبرمجة المواقع والتطبيقات، والتسويق الرقمي، والاستشارات الإدارية والهندسية، وصناعة المحتوى، وتصنيع الأغذية المنزلية، والخياطة والتطريز، والطباعة حسب الطلب، والهدايا المخصصة، وتصميم الأزياء، وتصنيع الإكسسوارات، وتصنيع مستحضرات التجميل الطبيعية (وفق الأنظمة)، وأعمال النجارة الخفيفة، وإصلاح الإلكترونيات، والتعليم والتدريب عبر الإنترنت.

مشروعات صغيرة ومتناهية الصغر
يرى رجل الأعمال فيصل عطري، أن المشروعات تختلف بحسب البيئة وإمكانات صاحب المشروع، وتنقسم إلى مشروعات ناجحة في الأرياف وأخرى تنجح في المدن.

ويعتقد عطري أن القاعدة الذهبية للنجاح تتمثل بإضافة قيمة محلية إلى المنتج الزراعي، مع الاعتماد على الاقتصاد الدائري الذي يحول المخلفات إلى منتجات ذات قيمة.

ويقول عطري لصحيفة “الثورة السورية” إن أبرز المشروعات متناهية الصغر، في حال اعتماد رأس مال تقريبي يتراوح بين 50 و500 دولار للمشروعات متناهية الصغر، وبين 1,500 و10,000 دولار للمشروعات الصغيرة، تشمل:

صناعة الألبان والأجبان المنزلية من الحليب المتوفر (100-300 دولار).
زراعة الفطر في مساحات مغلقة (200-500 دولار).
زراعة الأعشاب الطبية والعطرية كالنعناع والزعتر والبابونج (100-300 دولار).
المشاتل الصغيرة (200-400 دولار).
صناعة الصابون والمنتجات الطبيعية من زيت الزيتون والأعشاب (نحو 25-50 دولاراً كبداية).
تربية دواجن منزلية مصغرة (100-250 دولاراً).
كما تبرز مشروعات حديثة مثل إنتاج السماد العضوي (الفيرميكومبوست) من المخلفات الزراعية والحيوانية (50-150 دولاراً)، مستفيدة من ارتفاع أسعار الأسمدة الكيميائية، إلى جانب تجفيف وتقطير الأعشاب لإنتاج ماء الورد والزيوت (100-300 دولار)، وتربية الأرانب أو الدجاج البلدي بالاعتماد على موارد محلية منخفضة التكلفة.

وتشمل المشروعات الصغيرة تربية الدواجن (بيّاض أو لاحم، 2,000-6,000 دولار) لتأمين البروتين بأسعار معقولة، وتربية النحل وإنتاج العسل (1,500-4,000 دولار) لجودته العالية وإمكانية التوسع والتصدير، وتربية الأغنام والأبقار (3,000-10,000 دولار)، والبيوت المحمية، خاصة في الساحل (3,000-8,000 دولار)، وزراعة الفستق الحلبي والأشجار المثمرة في مناطق مثل ريف حلب، إضافة إلى الزراعة الحديثة كالهيدروبونيك لتوفير المياه.

وتتضمن هذه المشروعات أيضاً صناعة الأعلاف البديلة من المخلفات الزراعية (1,000-2,500 دولار)، وقوالب التدفئة الحيوية من تفل الزيتون والنشارة (1,500-3,500 دولار) لمواجهة نقص المازوت، وصيانة أنظمة الري بالطاقة الشمسية (800-1,500 دولار) نظراً إلى انتشارها الواسع، ووحدات التصنيع الغذائي كتجفيف التين والعنب وصناعة السمن والكشك ورب البندورة (500-1,000 دولار).

ويمكن البدء بمشروعات صغيرة برأس مال يتراوح بين 1,500 و2,000 دولار، كمنحل يضم 15-20 خلية أو قطيع أغنام محدود.

كما توجد مشروعات تجارية مثل شراء سيارة نقل صغيرة للعمل على شراء المنتجات الزراعية والألبان والأجبان من الريف والمناطق الزراعية، ثم بيعها في المدن.

وبحسب عطري، تُعد هذه المشروعات واعدة لأسباب عدة، أبرزها:

الطلب المضمون على الغذاء والتدفئة باعتبارهما من السلع الأساسية.
انخفاض تكاليف التشغيل بفضل توفر الأرض والعمالة والموارد العائلية.
المساهمة في سد فجوة العرض بعد الحرب.
إمكانية التصدير لمنتجات كالعسل والفستق والأعشاب.
إمكانية التسويق عبر وسائل التواصل الاجتماعي حتى من القرى.
توفر التمويل الأصغر، كمؤسسة سراج التي وزعت آلاف القروض بقيمة ملايين الدولارات في مناطق شمالية.
كما تسمح هذه المشروعات بتخزين الثروة عينياً (العسل، والسمن، والزيت، والمواشي) لمواجهة التضخم.
وينصح عطري بالبدء صغيراً والتوسع تدريجياً من الأرباح، مع مراعاة العوامل المناخية، كأثر البرد على النحل، والتحقق من التراخيص، وإجراء دراسة جدوى محلية. وتبقى الأرقام تقديرية وتتفاوت حسب المحافظة وسعر الصرف. كما تدعم مبادرات حكومية وتعاونيات ومنظمات دولية هذه التوجهات لتعزيز التنمية الريفية المستدامة.

أما في المدن، فيُفضل تقديم الخدمات الأساسية بأسعار اقتصادية، مع التركيز على الصيانة والتدوير، من خلال مشروعات متناهية الصغر تُدار من المنزل، برأس مال يتراوح بين 100 و300 دولار، مثل مطابخ الوجبات الاقتصادية المنزلية (100-250 دولار)، وصيانة وتنظيف الألواح الشمسية، وخدمات التوصيل بالدراجات.

وتشمل المشروعات الصغيرة التي تتراوح كلفتها بين 600 و10,000 دولار، بيع البالة مع ورشة التعديل (800-2,000 دولار)، وتصنيع المنظفات باللتر (600-1,500 دولار)، ومحطات تصفية وتعبئة المياه (1,500-3,000 دولار)، وورش صيانة أنظمة الطاقة الشمسية والإنفرترات (1,000-2,500 دولار)، إضافة إلى خدمات التنظيف والترميم والمطاعم الصغيرة.

وتستفيد هذه المشروعات من الكثافة السكانية، وفجوة الخدمات، واحتياجات الإعمار، وسلوك التقشف لدى المستهلكين.
ويقترح عطري البدء من المنزل ثم التوسع تدريجياً، مع التركيز على الاحترافية والجودة والتسعير العادل، والاستفادة من وسائل التواصل والعينات المجانية في التسويق.

ويشدد على أهمية البدء بمشروعات صغيرة والتوسع التدريجي من الأرباح، مع إجراء دراسة جدوى محلية، مشيراً إلى أن جميع الأرقام تقديرية وتختلف حسب المنطقة وسعر الصرف.

أمثلة ناجحة
يوضح طرقجي أن معظم الشركات العالمية بدأت من إمكانات متواضعة، إذ انطلقت شركة “آبل” من مرآب منزل، وكذلك شركتا “أمازون” و”إتش بي”، بينما بدأت “ديل” من غرفة سكن جامعي، فيما تأسست “ماتيل” داخل ورشة منزلية.

وفي سوريا أيضاً، تحولت عشرات الورش المنزلية في مجالات الأغذية والملابس والحلويات والأعمال الرقمية خلال السنوات الماضية إلى شركات توظف عشرات العاملين.

ويؤكد طرقجي أهمية التعامل بواقعية مع هذه الأمثلة، موضحاً أن نجاحها لم يكن بسبب بدايتها من المنزل فقط، وإنما نتيجة امتلاكها منتجاً جيداً، وإدارة مالية منضبطة، وقدرة على التوسع بعد إثبات نموذجها التجاري.

ويطرح عطري مثالاً عن شاب بدأ بتعلم البرمجة بعد شراء حاسوب، ثم قدم أعماله في السوق المحلية وانتقل إلى منصات العمل الحر، قبل أن يتعاون مع شركة أميركية وصل دخله منها إلى 2,000 دولار شهرياً، ليستقر لاحقاً في دولة خليجية ويواصل العمل بالمجال ذاته.

كما يورد مثالاً عن سيدة أطلقت صفحة على فيسبوك لبيع مستلزمات الأطفال الرضع، وبدأت بطلبات بلغت قيمتها نحو 500 دولار، قبل أن ترتفع بعد أربع سنوات إلى حد أدنى يبلغ 7,000 دولار للطلبية. وتعاونت لاحقاً مع مصانع في حلب ودمشق لتنفيذ موديلات خاصة بها، وهي اليوم تدير متجراً كبيراً في دولة خليجية.

وينصح الحلاق رواد الأعمال بأن المشروعات الصغيرة تمثل نواة للمشروعات الكبيرة، مشيراً إلى أن تحديد هدف قابل للقياس يتطلب تعديل الخطة والطريق والأدوات عند عدم تحقيقه، مع الحفاظ على الهدف نفسه.

بينما ينصح طرقجي رواد الأعمال بإدراك أن العميل يدفع ثمن الجودة والخدمة، وليس ثمن الموقع والديكور.

كما يوصي بعدم البدء بأكبر مشروع يمكن تمويله، وإنما بأصغر مشروع يمكن اختبار فرص نجاحه وإثبات جدواه. فالنجاح لا يبدأ بمحل فاخر، وإنما بفكرة صحيحة، ومنتج جيد، وعميل راضٍ، وإدارة دقيقة للتكاليف. وكل دولار يتم توفيره في السنوات الأولى يزيد من فرص بقاء المشروع ونموه.

ويضيف نصيحة أساسية، وهي ألا يدخل رائد الأعمال أي مشروع بسبب ارتفاع هامش ربحه فقط، وإنما لامتلاكه ميزة تنافسية واضحة؛ سواء كانت خبرة، أو معرفة بالسوق، أو تقنية، أو شبكة علاقات، أو قدرة على تقديم جودة أعلى أو تكلفة أقل من المنافسين.

المنشورات ذات الصلة

بيت شريف للسياحة: رفاهية مخصصة للأفراد والشركات حول العالم

Samer Al-Bashlawi

من العزلة إلى الاستثمار.. سوريا أمام فرصة اقتصادية تاريخية

Samer Al-Bashlawi

قبل أن تتحول المدفوعات الرقمية إلى جزر معزولة: سورية بحاجة إلى «مبدّل وطني» لا إلى مزيد من التطبيقات

Samer Al-Bashlawi