syriavest
آراءالنخبة

النفط العراقي سيعبر سوريا… فماذا سيصل إلى جيب المواطن السوري؟

بقلم: المحامي الدكتور إيهاب أحمد أبو الشامات

في السابع عشر من تموز 2026، شهد مقر غرفة التجارة الأميركية في واشنطن توقيع مذكرتي تفاهم تتعلقان بإحياء خط نقل النفط العراقي إلى ميناء بانياس السوري.
المذكرة الأولى وُقّعت بين الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، المهندس يوسف قبلاوي، والرئيس التنفيذي لشركة نفط البصرة العراقية، المهندس باسم عبد الكريم ناصر، بهدف دراسة إعادة إحياء خط الأنابيب الممتد من مدينة حديثة العراقية إلى بانياس، ضمن المسار التاريخي لخط كركوك–بانياس.
أما المذكرة الثانية، فوقّعتها الشركة السورية للبترول مع ائتلاف دولي يضم شركات «شيفرون» و«UCC Holding» و«TI Capital»، لإعداد الدراسات الفنية والمالية ووضع التصور التنفيذي للمشروع.
ببساطة، يبحث العراق عن منفذ إضافي لتصدير نفطه، بدلاً من الاعتماد بصورة شبه كاملة على موانئه الجنوبية المطلة على الخليج. وفي المقابل، تمتلك سوريا الموقع الجغرافي الذي يمنح النفط العراقي طريقاً مباشراً إلى البحر المتوسط، ومنه إلى الأسواق الأوروبية.
غير أن خط كركوك–بانياس ليس مشروعاً جديداً فقد دخل الخدمة عام 1952، وكان ينقل النفط من حقول كركوك إلى ميناء بانياس، عبر خط يمتد لنحو 895 كيلومتراً. وبلغت طاقته السنوية قرابة 13.5 مليون طن من النفط الخام، أي ما يعادل نحو 270 إلى 300 ألف برميل يومياً.
وكان هذا رقماً كبيراً بمقاييس تلك المرحلة، وجعل الخط واحداً من أهم منافذ تصدير النفط العراقي إلى المتوسط. كما حقق مصلحة واضحة للبلدين؛ فالعراق حصل على طريق مباشر لنفطه، بينما استفادت سوريا من رسوم العبور والتخزين وتشغيل الميناء والخدمات المرتبطة به.
ولم تكن تلك الإيرادات هامشية. فقد أشارت مذكرة استخباراتية أميركية تعود إلى عام 1972 إلى أن توقف تصدير النفط العراقي عبر سوريا كان يمكن أن يحرمها من نحو 82 مليون دولار سنوياً من رسوم العبور واستخدام المرافئ.
وبحسب المذكرة، كانت عائدات الخط تمثل نحو 14 في المئة من إيرادات الموازنة السورية عام 1970، وكان متوقعاً أن ترتفع إلى نحو 17 في المئة عام 1972. وهذه أرقام تاريخية لا يمكن إسقاطها على الواقع الحالي، لكنها توضح المكانة التي كان يحتلها الخط في الاقتصاد السوري.
ورغم أهميته، لم يكن المشروع بعيداً عن الخلافات السياسية التي شهدتها المنطقة. فقد توقف الضخ عام 1982 نتيجة الخلاف بين دمشق وبغداد، ثم أُعيد تشغيل الخط بصورة محدودة عام 2000، قبل أن يتعرض لأضرار كبيرة خلال حرب العراق عام 2003 ويخرج من الخدمة.
اليوم، لا يدور الحديث فقط عن إصلاح أنبوب قديم، بل عن مشروع حديث وأكبر قد يعيد لسوريا دورها ممراً إقليمياً للطاقة.
لكن توقيع مذكرتي التفاهم لا يعني أن النفط سيبدأ بالضخ قريباً. فالمشروع ما زال في مرحلة الدراسات الفنية والمالية، ولم تُحسم بعد تكلفة التنفيذ، أو طريقة التمويل، أو موعد بدء العمل، أو حصة كل طرف من العائدات.
وهنا نصل إلى ما يعني المواطن السوري فعلاً.
فالمواطن لا يهمه كثيراً حجم النفط الذي سيعبر تحت الأرض، بقدر ما يهمه إن كان هذا المشروع سيخلق فرصة عمل، أو يعيد تشغيل منشأة متوقفة، أو يحسن إمدادات الطاقة، أو ينعكس على الكهرباء والنقل والأسعار والخدمات.
هل ستقتصر فائدة سوريا على تحصيل رسوم مرور النفط؟ أم سيمتد أثر المشروع إلى تشغيل ميناء بانياس والمصافي، وتحريك قطاعات النقل والصيانة والخدمات، وتأمين جزء من احتياجات البلاد من المشتقات النفطية؟
الفرق بين الاحتمالين كبير.
فإذا تحول خط كركوك–بانياس إلى إيرادات واضحة، وفرص عمل، وتشغيل للمرافئ والمصافي، ومشاركة حقيقية للشركات والخبرات السورية، فسيكون فرصة اقتصادية تستحق الاهتمام.
أما إذا بقي دوره محصوراً في عبور النفط العراقي من الحدود إلى البحر مقابل رسوم محدودة، فسنكون أمام خبر سياسي كبير، لكن أثره في حياة الناس سيبقى أقل بكثير من حجم العناوين التي ترافقه.
سوريا لا تحتاج إلى أن تكون ممراً فقط، بل إلى أن تحول موقعها الجغرافي إلى قيمة اقتصادية يشعر بها المواطن.
فإذا كان النفط العراقي سيعبر سوريا، فإن السؤال ليس كم برميلاً سيمر تحت أرضها، بل كم فرصة عمل وإيراداً وخدمة ستبقى فوق هذه الأرض، وتصل فعلياً إلى جيب السوري.

المنشورات ذات الصلة

برأس مال صغير.. مشروعات منزلية قابلة للنمو في السوق السورية

Samer Al-Bashlawi

بيت شريف للسياحة: رفاهية مخصصة للأفراد والشركات حول العالم

Samer Al-Bashlawi

من العزلة إلى الاستثمار.. سوريا أمام فرصة اقتصادية تاريخية

Samer Al-Bashlawi