بقلم: المحامي الدكتور إيهاب أحمد أبو الشامات
لا تكشف الدول أولوياتها من خلال الخطابات وحدها، بل أحياناً من خلال الأشخاص الذين تختارهم للمواقع الحساسة، والتوقيت الذي يتم فيه هذا الاختيار.
من هذه الزاوية يمكن قراءة قرار الرئيس أحمد الشرع تعيين أحمد رواد محمد بشار رمضان مديراً عاماً لهيئة الاستثمار السورية.
فالقرار لا يبدو مجرد تغيير إداري في مؤسسة حكومية، خصوصاً أن سوريا تدخل اليوم مرحلة تحتاج فيها إلى ما هو أبعد من إدارة آثار الحرب. المطلوب هو إعادة تشغيل الاقتصاد، واستقطاب رؤوس الأموال، وتحريك الإنتاج، وخلق فرص العمل، والانتقال تدريجياً من معالجة الأزمات إلى بناء ما بعدها.
ولهذا يلفت الانتباه أن اختيار رئيس هيئة الاستثمار وقع على شخصية قادمة من بيئة الأعمال والاستثمار، ولها خبرة في إدارة الشركات والمحافظ والصناديق الاستثمارية، إلى جانب تجربتها الأخيرة في رئاسة المجلس السوري لتنسيق مجالس الأعمال المشتركة.
وهذه الخلفية مهمة في مؤسسة تتعامل يومياً مع المستثمرين.
فالمستثمر لا يهمه فقط وجود قانون استثمار جيد، بل يريد إجراءات واضحة، وقراراً سريعاً، وجهة يعرف أنه يستطيع التعامل معها، وضمانات تحمي مشروعه، وبيئة لا تستهلك وقته في المعاملات قبل أن يبدأ العمل.
ومن يعرف عالم الاستثمار من داخله يفترض أن يكون أكثر قدرة على فهم هذه التفاصيل.
لكن الأهم أن هذا التعيين يأتي ضمن سياق أوسع. فمن يتابع توجهات الرئيس أحمد الشرع خلال المرحلة الماضية يلاحظ أن ملف الاقتصاد لم يعد مؤجلاً إلى ما بعد انتهاء الملفات السياسية والأمنية، بل بدأ يتحرك بالتوازي معها.
هناك انفتاح اقتصادي، واهتمام بجذب الاستثمارات، وإعادة تنظيم مجالس الأعمال، وتطوير البيئة القانونية، وحديث متكرر عن إعادة الإعمار والشراكة مع القطاع الخاص.
وسوريا لا تستطيع أن تعيد بناء ما تهدم اعتماداً على خزينة الدولة وحدها. إعادة الإعمار تحتاج إلى رأس المال السوري والعربي والدولي، وإلى مشاريع في الطاقة والصناعة والسكن والخدمات والبنية التحتية، وإلى مؤسسات قادرة على تحويل المستثمر من صاحب فكرة إلى صاحب مشروع يعمل على الأرض.
ومن هنا يمكن فهم دلالة اختيار رواد رمضان: الاستثمار وإعادة البناء يتقدمان اليوم إلى صدارة أولويات الدولة.
وهذا يحسب للرئيس الشرع، لأن الاقتصاد لا يستطيع انتظار انتهاء كل المشكلات الأخرى.
المواطن يريد الأمن والاستقرار، لكنه يريد أيضاً عملاً ودخلاً وكهرباء وخدمات، ويريد أن يرى أن الاستقرار السياسي يفتح الباب أمام استقرار اقتصادي حقيقي.
لكن التعيين وحده لا يكفي.
الاختبار الحقيقي أمام هيئة الاستثمار سيكون في قدرتها على تسريع الإجراءات، وتخفيف البيروقراطية، وتحويل النافذة الواحدة إلى واقع فعلي، والأهم نقل المشاريع من مذكرات التفاهم والتصريحات إلى التنفيذ.
فالمواطن السوري في النهاية لن يحكم على الهيئة بعدد الاجتماعات التي تعقدها، بل بما يراه حوله: مصنع يعمل، مشروع يبدأ، شاب يجد فرصة عمل، واستثمار يدخل إنتاجاً جديداً إلى الاقتصاد.
وبرأيي، سوريا تنتقل تدريجياً من إدارة ما خلفته الحرب إلى البحث عن كيفية بناء ما بعدها، والاستثمار يبدو اليوم واحداً من أهم مفاتيح هذه المرحلة.
