🧠🖊 محمد تيسير طرقجي
31 تشرين الأول 2026
في خضم النقاشات حول تصريحات المبعوث الأميركي توم باراك، والصعوبات الاقتصادية والاستثمارية التي تواجه سورية، أعود إلى قناعة طرحتها مراراً: إن الرهان الحقيقي على نهوض سورية ليس على المساعدات الخارجية، بل على الإنسان السوري وكفاءاته وموارده وقدرته على العمل والإنتاج والإبداع.
سورية ليست بلداً فقيراً بالإمكانات، بل بلداً أنهكته الحروب وسوء الإدارة وضعف المؤسسات. وهي تمتلك موارد طبيعية، وموقعاً جغرافياً مهماً، وخبرات صناعية وتجارية وعلمية منتشرة داخل البلاد وخارجها. لكن هذه الإمكانات لن تتحول إلى ثروة دون إدارة رشيدة ورؤية وطنية متكاملة.
الدولة لا تستطيع بناء الاقتصاد وحدها، كما أن الأفراد لا يستطيعون النهوض دون دولة تنظم وتحمي وتخطط.
مسؤولية الدولة أن تضع القوانين العادلة، وتحمي الملكية والحقوق، وتطور البنية التحتية، وتؤسس لمؤسسات كفؤة وحوكمة شفافة. أما مسؤولية القطاع الخاص والمجتمع فهي الاستثمار والإنتاج والتصدير والابتكار وخلق فرص العمل.
ولا نحتاج إلى أن ينتظر كل سوري مشروعاً حكومياً ضخماً ليبدأ. فالصناعي يستطيع تحديث مصنعه، والتاجر يستطيع فتح أسواق تصديرية، والمهندس يستطيع تطوير تقنية، والمزارع يستطيع تحسين إنتاجيته، والمغترب يستطيع نقل خبراته ورأسماله وعلاقاته إلى وطنه. كل إنسان يبدأ من موقعه، ولكن ضمن رؤية وطنية تجمع هذه الجهود في اتجاه واحد.
علينا أيضاً تغيير طريقة تفكيرنا. فالنقد مطلوب وكشف الأخطاء ضرورة، لكن النقد الذي لا يقدم حلولاً لا يكفي لبناء المستقبل. المطلوب عقلية إيجابية ومنفتحة على العلم والتكنولوجيا والتطورات العالمية، قادرة على تحويل التحديات إلى فرص.
وهذا لا يعني الاستغناء عن الاستثمارات والشراكات الدولية؛ فنحن نرحب بها ونحتاج إليها، ولكن باعتبارها عوامل تسريع للنهوض، لا بديلاً عن قدراتنا الوطنية وإرادتنا في البناء.
وهنا أطرح مبدأً أرى أنه يجب أن يترسخ في وجدان كل سوري، داخل الوطن وخارجه:
«لا تسأل فقط ماذا ستقدم لك سورية، بل اسأل ماذا تستطيع أنت أن تقدم لسورية، وكيف يمكن للدولة أن تمكّنك من ذلك».
فمكانة الدول لا تُصنع بالشعارات ولا بما تنتظره من الآخرين، بل بما يحققه أبناؤها من علم وعمل وإنتاج وإنجاز. وكل نجاح يحققه سوري في الصناعة أو التجارة أو الزراعة أو التكنولوجيا أو الثقافة هو إضافة إلى قوة سورية ومكانتها بين الأمم.
إذا أشعل كل سوري شمعة في موقعه، وأحسنّا تنظيم هذه الطاقات وتوجيهها، فلن نكتفي بإضاءة الطريق، بل سنعيد بناء سورية التي نطمح إليها.
سورية الجديدة لن يصنعها الانتظار، بل يصنعها السوريون أنفسهم، حين تتحول المسؤولية الوطنية من شعارات إلى عمل وإنجاز، وتصبح الدولة شريكاً في تمكين الإنسان لا بديلاً عنه.
