🔴✅✍️بقلم: مازن كنينه عضو مجلس إدارة غرفة تجارة ريف دمشق
من الصعب أن تحقق التجارة الخارجية نمواً مستقراً إذا لم تتوافر لها قنوات مصرفية موثوقة، فالعلاقة بين المصارف والأسواق علاقة متكاملة، وأي توسع في الاستيراد أو التصدير يحتاج إلى منظومة مالية قادرة على تنفيذ التحويلات وتسوية المدفوعات وتوفير الثقة اللازمة بين المتعاملين.
من هنا تأتي أهمية اللقاءات التي عقدها حاكم مصرف سورية المركزي، السيد صفوت رسلان، خلال زيارته الرسمية إلى باريس، والتي شملت ممثلين عن مؤسسات ومصارف دولية وأوروبية، من بينها Banque de France وFirst Abu Dhabi Bank وFransabank وNatixis، إضافة إلى مجلس الأعمال الفرنسي السوري ووحدة التحريات المالية الفرنسية.
أهمية هذه اللقاءات أنها تضع ملف العلاقات المصرفية السورية أمام مؤسسات مالية دولية مؤثرة، وتفتح النقاش حول خطوات عملية، في مقدمتها توسيع شبكة المصارف المراسلة، وتطوير أنظمة المدفوعات والتحويلات، وتسهيل تمويل التجارة. وهذه مسائل يعرف التاجر والصناعي السوري مدى تأثيرها في عمله اليومي، سواء عند استيراد المواد الأولية أو تسديد قيمة البضائع أو تحصيل مستحقات التصدير.
فوجود علاقات مصرفية فاعلة لا يقتصر أثره على تسهيل المعاملات، بل ينعكس على كلفة النشاط التجاري وسرعته وقدرته على المنافسة. وعندما تتوافر قنوات مالية واضحة وموثوقة، تصبح الشركات أكثر قدرة على التعامل مع الموردين والعملاء في الخارج، وتزداد فرص دخول أسواق جديدة وبناء شراكات طويلة الأمد.
وهنا أرى أن إعادة بناء العلاقات المصرفية يجب أن تُقرأ باعتبارها جزءاً من تهيئة البيئة الاقتصادية للاستثمار، وليس ملفاً فنياً يخص المصارف وحدها. فالمستثمر الذي يدرس الدخول إلى السوق السورية يحتاج إلى معرفة أن أمواله ومدفوعاته والتزاماته التجارية يمكن إدارتها من خلال منظومة مصرفية واضحة، تعمل وفق قواعد معترف بها دولياً.
ولا ينفصل ذلك عن مسألة الثقة، وهي الأساس الذي تقوم عليه العلاقات بين المؤسسات المالية. لذلك تكتسب الجهود الرامية إلى تطوير الإطار الوطني لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أهمية خاصة، إلى جانب تعزيز الشفافية والحوكمة والامتثال للمعايير الدولية. فكل تقدم في هذه المجالات يساعد على بناء صورة أكثر موثوقية للقطاع المصرفي السوري، ويدعم فرص توسيع تعاونه مع المصارف الخارجية.
ومن المهم أيضاً ألا تتوقف نتائج هذه التحركات عند حدود اللقاءات والمباحثات، بل أن تتبعها خطوات تنفيذية تتيح للمصارف السورية بناء علاقات مراسلة مستقرة، وتطوير خدماتها، واستعادة قدرتها على خدمة النشاط التجاري بصورة أكثر كفاءة. فالنتيجة التي ينتظرها قطاع الأعمال هي أن تتحول هذه الجهود إلى تسهيلات حقيقية يشعر بها التاجر والصناعي والمصدر.
سورية اليوم أمام فرصة مهمة لإعادة تنظيم حضورها الاقتصادي الخارجي، والقطاع المصرفي أحد المفاتيح الرئيسية لهذه المرحلة. فإعادة فتح قنوات التواصل مع المصارف الدولية، بالتوازي مع تطوير البيئة التشريعية والرقابية، يمكن أن تشكل قاعدة لانطلاقة أوسع في التجارة والاستثمار وتمويل المشاريع الإنتاجية.
إن التحرك الذي يقوده مصرف سورية المركزي في باريس خطوة تستحق التقدير، لأنها تتناول جانباً أساسياً من متطلبات التعافي الاقتصادي، وتؤكد أن بناء علاقات مالية متينة مع العالم يسير جنباً إلى جنب مع إعادة تنشيط الإنتاج والتجارة.
فالاقتصاد لا يحتاج إلى أسواق مفتوحة فحسب، بل يحتاج أيضاً إلى مصارف قادرة على إيصال منتجاته وأمواله إلى تلك الأسواق. وهذه هي القيمة الحقيقية لإعادة بناء الجسور المصرفية مع العالم.
