syriavest
آراءالنخبة

الأمن في سورية الجديدة… حماية الدولة أم تقييد المواطن؟

🧠✒️ محمد تيسير طرقجي

4 تشرين الثاني 2026

تمر سورية اليوم بمرحلة انتقالية حساسة، تواجه فيها الدولة تحديات أمنية حقيقية بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام، ومن الطبيعي أن تتخذ السلطات إجراءات احترازية لحماية المسؤولين والمؤسسات السيادية، لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه: هل ما زالت الأساليب الأمنية التقليدية مناسبة لعصر التكنولوجيا الحديثة؟

لقد عاش السوريون عقوداً تحت سلطة الأجهزة الأمنية، حيث تحولت الحواجز وإغلاق الطرق والمناطق المحيطة بمقار المسؤولين إلى رموز للخوف وتقييد الحريات. ولذلك فإن الحساسية الشعبية تجاه عودة هذه المظاهر مفهومة، خصوصاً عندما تؤثر في حركة المواطنين وحياتهم اليومية.

اليوم تطورت تقنيات الأمن والمراقبة بصورة كبيرة، وأصبحت الكاميرات الذكية وأنظمة الإنذار المبكر وتحليل المخاطر بالذكاء الاصطناعي وتقنيات كشف التهديدات أدوات تساعد الأجهزة الأمنية على حماية المنشآت والمسؤولين بكفاءة أعلى، دون الحاجة إلى الاعتماد المفرط على الحواجز والإغلاقات التقليدية. لكنها لا تلغي الحاجة إلى الحماية البشرية والتدابير الميدانية عند وجود تهديد حقيقي.

ومن المفيد أن تستفيد سورية من تجارب الدول المتقدمة في إدارة أمن المؤسسات والمقار السيادية، وأن تعتمد منظومة أمنية حديثة تقوم على المعلومات والتكنولوجيا والتقييم المستمر للمخاطر، بدلاً من العودة تلقائياً إلى الأساليب القديمة التي مارسها النظام السابق، ولا سيما تحويل المناطق المحيطة بمقار المسؤولين إلى مناطق يصعب على المواطنين الوصول إليها.

فالأمن الحديث لا يُقاس بعدد العناصر المسلحة والسيارات المصفحة والحواجز، بل بقدرته على منع المخاطر بأقل قدر ممكن من تعطيل الحياة العامة، مع ضمان حماية الخصوصية وعدم تحويل التكنولوجيا نفسها إلى وسيلة جديدة لمراقبة المواطنين وتقييد حرياتهم.

إن سورية الجديدة تحتاج إلى تطوير عقيدة أمنية (Security Doctrine) يكون فيها المواطن محور الحماية وليس موضع الشك، وتخضع فيها الإجراءات الأمنية لمعايير الضرورة والتناسب وسيادة القانون، مع مراجعتها باستمرار وفق طبيعة التهديدات الفعلية.

ولا يمكن بناء الثقة بين المواطن والدولة إذا بقيت المظاهر الأمنية تذكّره بالماضي. فالمطلوب ليس تقليص قدرة الدولة على حماية نفسها، وإنما تحديث أدواتها وأساليبها بما يحقق الأمن ويحافظ على كرامة الإنسان وحرية حركته.

إن هيبة الدولة لا تُقاس بعدد الحواجز والمرافقين، بل بكفاءة مؤسساتها وثقة المواطنين بها واحترامها للقانون.

فسورية الجديدة لا تحتاج إلى استنساخ المنظومة الأمنية القديمة، بل إلى بناء منظومة أمنية عصرية تحمي الدولة دون أن تعزل المسؤول عن شعبه، وتجعل التكنولوجيا في خدمة الأمن والحرية معاً.

المنشورات ذات الصلة

الشراكة الصينية.. من التجارة إلى الاستثمار الميداني.

Samer Al-Bashlawi

ريما داوود تنسج «بوصلة الحياة» من بيت نزار قباني.. حكايتان يلتقي فيهما الحب والإبداع والإنسانية

Samer Al-Bashlawi

الثروة الكامنة في معالجة النفايات في سوريا

Samer Al-Bashlawi