🔴✅✍️بقلم: مازن كنينه عضو مجلس إدارة غرفة تجارة ريف دمشق
في الاقتصاد، لا تكفي معرفة حجم الإيرادات والنفقات اليوم، بل لا بد من تقدير احتياجات المرحلة المقبلة والاستعداد للمتغيرات التي قد تؤثر في الأسواق والإنتاج والاستثمار. ومن هنا تأتي أهمية التخطيط المالي، بوصفه أداة تساعد على ترتيب الأولويات وتوجيه الموارد نحو المجالات الأكثر قدرة على تحقيق نتائج اقتصادية ملموسة.
وفي هذا السياق، تكتسب المرحلة الثانية من مشروع بناء نموذج التوقعات الاقتصادية الكلية والإطار المالي متوسط المدى، الذي تعمل عليه وزارة المالية بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، أهمية خاصة للاقتصاد السوري. فهي تتيح تطوير رؤية مالية تتجاوز حدود الموازنة السنوية، وتأخذ في الحسبان احتياجات السنوات المقبلة والتحديات التي قد تواجه تنفيذ الخطط الاقتصادية.
وتكمن أهمية هذا الإطار في ربط الإيرادات والنفقات والدين العام ضمن رؤية واحدة، بما يساعد على تقدير الموارد المتاحة وتحديد الالتزامات والأولويات بصورة أكثر وضوحاً. وتزداد أهمية هذا العمل في ظل متطلبات التعافي وإعادة تأهيل البنية التحتية، والحاجة إلى دعم القطاعات الإنتاجية وتوسيع فرص العمل وتحريك النشاط الاقتصادي.
ومن الناحية العملية، فإن امتلاك أدوات أكثر دقة للتوقع والتحليل يساعد على دراسة آثار القرارات المالية قبل اتخاذها، وفهم انعكاساتها المحتملة على النمو والأسعار والإيرادات العامة. كما يتيح الاستعداد لسيناريوهات مختلفة، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع المتغيرات بعد حدوثها، وهو ما يعزز قدرة المؤسسات على التخطيط واتخاذ القرار.
ولا يقل أهمية عن ذلك تحديث البيانات والإحصاءات الاقتصادية، وإعداد تقارير دورية تتابع تطورات الاقتصاد والمالية العامة، إلى جانب تطوير خبرات الكوادر الوطنية في التحليل والتنبؤ. فنجاح هذه الأدوات لا يرتبط بالنماذج المستخدمة وحدها، بل بقدرة المؤسسات على الاستفادة من نتائجها وتحويلها إلى قرارات عملية ومتابعة أثرها. وللقطاع الخاص مصلحة مباشرة في هذا المسار.
فالتاجر والصناعي والمستثمر يحتاجون إلى رؤية أوضح للتوجهات الاقتصادية والمالية حتى يتمكنوا من دراسة فرص التوسع والإنتاج والتوظيف. وكلما اتسمت السياسات بالوضوح واستندت إلى تقديرات مدروسة، تحسنت قدرة أصحاب الأعمال على التخطيط، مع بقاء عوامل أخرى مؤثرة في قرارات الاستثمار، مثل تكاليف الإنتاج والطلب وتوافر التمويل.
كما يشكل التعاون الفني مع صندوق النقد الدولي فرصة للاستفادة من الخبرات والمنهجيات المتخصصة وتطوير أدوات العمل المالي، بما يتناسب مع خصوصية الاقتصاد السوري وأولوياته الوطنية. وتبقى أهمية هذا التعاون في قدرته على دعم الخبرات المحلية وترسيخ أساليب عمل أكثر كفاءة داخل المؤسسات المعنية.
لكن الأثر الأهم للتخطيط المالي يظهر عندما ينعكس على الاقتصاد الحقيقي.
فالمطلوب أن تتكامل السياسات المالية مع الأولويات الإنتاجية والاستثمارية، وأن تسهم إدارة الموارد في دعم المشروعات، وتوسيع فرص العمل، وتعزيز الصادرات، وزيادة القيمة المضافة داخل الاقتصاد. فهذه النتائج هي التي تمنح الخطط المالية معناها العملي وتربطها مباشرة بمتطلبات التعافي والتنمية.
إن تطوير التوقعات الاقتصادية الكلية والإطار المالي متوسط المدى يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز قدرة سورية على إدارة مواردها والتخطيط لاحتياجاتها المستقبلية. ومع استمرار العمل على تحديث البيانات وبناء القدرات الفنية وتحسين أدوات اتخاذ القرار، تتعزز فرص توظيف الإمكانات المتاحة بصورة أكثر فاعلية.
فالتعافي الاقتصادي لا يبدأ من حجم الموارد وحده، بل من حسن إدارتها وتحديد الأولويات التي تحقق أفضل عائد للاقتصاد والمجتمع. وكلما ارتبط التخطيط المالي بالإنتاج والاستثمار وخلق فرص العمل، أصبحت الخطوات المتخذة اليوم أكثر قدرة على دعم نمو اقتصادي متطور في سورية.
