syriavest
آراءالنخبة

حماية الصناعة السورية أم إعادة هيكلتها؟ المطلوب صناعة تنافسية لا حماية دائمة

🧠🖊 محمد تيسير طرقجي
29 تشرين الأول 2026

تثير النقاشات الدائرة حول حماية الصناعة السورية قضية استراتيجية تتجاوز الجدل التقليدي بين الحماية والانفتاح الاقتصادي: هل المطلوب حماية المصانع بهياكلها الحالية، أم إعادة بناء قطاع صناعي قادر على المنافسة في الأسواق المحلية والعالمية؟

لا شك أن الصناعة السورية، بعد سنوات الحرب والعقوبات وتراجع الاستثمار وتضرر البنية التحتية، تحتاج إلى مرحلة انتقالية مدروسة. لكن الحماية يجب أن تكون وسيلة لإعادة التأهيل ورفع التنافسية، لا غاية بحد ذاتها أو ضماناً لاستمرار منشآت فقدت جدواها الاقتصادية.

أولاً: تغيّر الحجم الاقتصادي للمشروع الصناعي

في ظل الاقتصاد المغلق والحماية الجمركية، استطاعت مصانع عديدة الاستمرار بأحجام إنتاجية صغيرة نسبياً، لأنها كانت تعمل في سوق محدودة المنافسة.

لكن مع الانفتاح على الأسواق الخارجية، تتغير المعادلة جذرياً. فمصنع غزل بطاقة 20 طناً يومياً مثلا ، كان يُعتبر اقتصادياً قبل عشرين عاماً، قد يحتاج اليوم إلى طاقة تقارب 40 طناً أو أكثر لتحقيق تنافسية دولية، بحسب نوع الغزل والتكنولوجيا وتكاليف الطاقة والعمالة والتمويل.

وهذه ليست قاعدة ثابتة لكل المصانع، بل مثال على أهمية إعادة حساب الحجم الاقتصادي الأمثل (Minimum Efficient Scale) في ضوء التطور التكنولوجي والإنتاجية وتكاليف التشغيل.

والأهم أن التغيير لا يقتصر على حجم المصنع، بل يشمل طبيعة الصناعة نفسها، وتقنياتها، ومنتجاتها، وأسواقها، والقيمة المضافة التي تحققها.

ثانياً: إعادة هيكلة القطاع الصناعي لا المصانع منفردة

ليس من المنطقي أن تستثمر الدولة مواردها المحدودة في حماية مئات المنشآت الصغيرة والمتفرقة دون دراسة إمكانية دمجها أو إعادة تنظيمها.

يمكن أن تشمل إعادة الهيكلة اندماج المصانع المتشابهة، وإنشاء شركات صناعية مساهمة، وتطوير مجمعات إنتاجية متكاملة، وتوحيد بعض الخدمات والمشتريات والتسويق والتصدير.

ولا يعني ذلك إلغاء دور المنشآت الصغيرة والمتوسطة، بل إعادة تحديد موقعها ضمن سلاسل القيمة، حيث يمكن لبعضها أن يتخصص في منتجات عالية القيمة أو يعمل ضمن شبكات إنتاج متكاملة.

فالمشكلة ليست في صغر المصنع بحد ذاته، بل في ضعف إنتاجيته وعدم قدرته على المنافسة.

ثالثاً: الحماية الذكية مقابل الحماية الدائمة

تحتاج سورية إلى حماية انتقالية انتقائية، يمكن أن تمتد من ثلاث إلى خمس سنوات وفق طبيعة القطاع، على أن ترتبط بشروط أداء واضحة تشمل تحديث التكنولوجيا، ورفع الإنتاجية والجودة، وتخفيض تكاليف الإنتاج، وزيادة القيمة المضافة، والتوسع في التصدير.

ويجب أن تترافق الحماية مع تسهيل استيراد الآلات والمواد الأولية ومستلزمات الإنتاج، لأن فرض رسوم مرتفعة على مدخلات الصناعة ثم مطالبتها بالمنافسة الدولية يمثل تناقضاً في السياسة الاقتصادية.

كما يجب أن تخضع الحماية للمراجعة الدورية، وألا تتحول إلى حق مكتسب للمصانع بغض النظر عن أدائها.

رابعاً: البعد الاجتماعي للحماية… حماية العامل أم حماية المصنع؟

يستند بعض المدافعين عن منع الاستيراد والحماية الدائمة إلى حجة إنسانية مفادها أن إغلاق المصانع سيؤدي إلى تشريد العمال وحرمان عائلاتهم من مصادر رزقها. وهذه مخاوف مشروعة لا يجوز الاستهانة بها، لكنها لا تكفي وحدها لتبرير استمرار منشآت غير قادرة على المنافسة إلى ما لا نهاية.

فالسؤال الأهم: هل نحمي العامل ومستقبل أسرته، أم نحمي نموذجاً إنتاجياً فقد جدواه الاقتصادية؟

إن حماية العمال لا تتحقق بإبقاء المصانع المتقادمة تعمل خلف حواجز جمركية دائمة، وتحميل المستهلك والاقتصاد الوطني تكلفة ضعف إنتاجيتها. كما أنها لا تتحقق بفتح الأسواق بصورة مفاجئة تؤدي إلى إغلاق المنشآت وتسريح العاملين.

الحل هو انتقال صناعي منظم يجمع بين الحماية المؤقتة وإعادة الهيكلة، ودمج المصانع حيث يكون الدمج مجدياً، وتحديث التكنولوجيا، وإعادة تأهيل العمال وتدريبهم، مع توفير شبكات أمان اجتماعي للعاملين المتضررين.

فالمسؤولية الأخلاقية الحقيقية ليست في إبقاء العامل أسيراً لمصنع غير تنافسي، ولا في تركه في الشارع، بل في بناء صناعة مستدامة توفر له عملاً منتجاً ودخلاً كريماً ومستقبلاً أفضل.

خامساً: المسؤولية مشتركة بين الدولة والصناعي

تقع على الدولة مسؤولية تأمين بيئة تنافسية تشمل الطاقة والبنية التحتية والتمويل والتشريعات والاستقرار النقدي وحماية المنافسة العادلة.

لكن الصناعي أيضاً مسؤول عن تحديث منشأته، وتطوير الإدارة، والاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا، والانتقال من عقلية الإنتاج للسوق المحلية المحمية إلى عقلية الإنتاج للأسواق العالمية.

ومن الضروري التمييز بين مصنع متعثر بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة أو التمويل أو المنافسة غير العادلة، ومصنع فقد جدواه بسبب تقادم التكنولوجيا أو ضعف الإدارة أو عدم ملاءمة حجمه الاقتصادي. فلكل حالة معالجة مختلفة.

ولا يمكن أن تبقى الدولة مسؤولة عن تعويض ضعف الإنتاجية أو سوء الإدارة إلى أجل غير محدد.

سادساً: من حماية المنشآت إلى بناء القدرة الصناعية الوطنية

ينبغي أن تقوم السياسة الصناعية السورية على اختيار القطاعات والمنتجات ذات المزايا التنافسية الفعلية أو الممكنة، وتوجيه الاستثمار نحو التكنولوجيا والبحث والتطوير والتكامل الصناعي والتصدير.

فالهدف ليس المحافظة على عدد المصانع القائم، وإنما زيادة القيمة المضافة والإنتاجية والصادرات وفرص العمل المستدامة، وتحسين مستوى معيشة المواطن السوري.

الخلاصة

إن السؤال الحقيقي ليس: هل نحمي الصناعة السورية أم نفتح الأسواق؟

بل: كيف نستخدم الحماية المؤقتة لإعادة هيكلة الصناعة وبناء قدرتها على المنافسة، بحيث تصبح قادرة على الاستمرار دون حماية؟

سورية لا تحتاج إلى إعادة تشغيل مصانع الماضي كما كانت، بل إلى بناء صناعة المستقبل، بأحجام اقتصادية مناسبة، وتكنولوجيا حديثة، وإدارة مؤسسية، ومنتجات قادرة على دخول الأسواق العالمية.

فالحماية التي لا تنتهي بالتنافسية تتحول إلى عبء على الاقتصاد والمستهلك، أما الحماية المرتبطة بإعادة الهيكلة والتحديث وحماية العامل، فتستطيع أن تصبح أداة للتنمية الصناعية والاجتماعية المستدامة.

المنشورات ذات الصلة

الشراكة الصينية.. من التجارة إلى الاستثمار الميداني.

Samer Al-Bashlawi

ريما داوود تنسج «بوصلة الحياة» من بيت نزار قباني.. حكايتان يلتقي فيهما الحب والإبداع والإنسانية

Samer Al-Bashlawi

الثروة الكامنة في معالجة النفايات في سوريا

Samer Al-Bashlawi