syriavest
آراءالنخبةتكنولوجيا

من رقمنة سجلّ الشركات إلى سؤال الدولة الرقمية

بقلم: د. عمار دلول

إطلاق مشروع تحديث ورقمنة تسجيل الشركات في سوريا خطوة تستحق الترحيب؛ فتسهيل تأسيس الشركات وأرشفة السجلات إلكترونياً يمكن أن يختصر الوقت، ويخفف الإجراءات، ويحسن بيئة الاستثمار. لكن السؤال الذي ينبغي أن يرافق هذا الإعلان أكبر من تفاصيل المنصة: هل نبني خدمة رقمية جديدة، أم نبني دولة رقمية متكاملة؟

هذا السؤال ليس تشكيكاً بجدوى المشروع، ولا تقليلاً من أهمية الشراكات الفنية. إنه تذكير بأن نجاح أي منصة لا يُقاس يوم إطلاقها، بل بقدرتها على العمل ضمن منظومة حكومية مترابطة، وبما تتركه من معرفة وقدرات داخل سوريا بعد انتهاء المشروع.

فقد أُطلقت خدمة تأسيس الشركات عبر بوابة إلكترونية في تموز الماضي، وأشارت تقارير لاحقة إلى أن تطويرها ما زال يتطلب استكمال أتمتة الإجراءات الداخلية والربط مع جهات حكومية أخرى، مثل المالية والعدل والمصارف. وهذا يوضح أن التحول من المعاملة الورقية إلى تقديم الطلب عبر الإنترنت خطوة مهمة، لكنها ليست نهاية التحول الرقمي. (sana.sy)

رقمنة الإجراء ليست رقمنة للدولة. إذا بقي سجل الشركات معزولاً عن السجل التجاري، والضرائب، والجهات القضائية، والتراخيص، والهوية الرقمية، فسنكون قد نقلنا جزءاً من الروتين إلى الشاشة، من دون أن نزيل أسبابه. وقد نحصل على منصة جديدة، لكننا سنبقى أمام الجزر الرقمية نفسها: بيانات مكررة، إجراءات غير متوافقة، وتبادل محدود للمعلومات بين المؤسسات.

المشكلة السورية لم تعد في نقص المشاريع الرقمية وحده، بل في غياب إطار وطني معلن وملزم يحدد كيف تتصل هذه المشاريع ببعضها، ومن يضع معاييرها، وكيف تُدار بياناتها، وما الأولويات التي يجب أن تخدمها. ومن دون هذا الإطار، قد تتحول المبادرات المتفرقة ــ مهما كانت نواياها جيدة ــ إلى أنظمة متجاورة لا تصنع حكومة رقمية واحدة.

والأمر يتجاوز تسجيل الشركات. فالسجلات التجارية، والضرائب، والجمارك، والمصارف، والتراخيص، والقضاء، كلها تنتج بيانات تحتاج الدولة إليها لتبسيط الخدمات، وفهم النشاط الاقتصادي، وجذب الاستثمار. لكن هذه البيانات لا تتحول إلى قيمة وطنية إذا بقيت موزعة بلا معايير موحدة، أو إذا لم تعرف المؤسسات كيف تتبادلها وتحميها وتستخدمها.

ومن هنا تأتي أهمية مراكز البيانات المحلية والبنية السحابية الوطنية. فالسؤال ليس تقنياً فقط: أين تُخزَّن بيانات الشركات؟ من يملك صلاحية الوصول إليها؟ كيف تُحمى النسخ الاحتياطية؟ وهل تستطيع المؤسسات السورية مواصلة العمل عند تعطل الخدمة أو انتهاء العقد مع الجهة المنفذة؟ هذه أسئلة حوكمة وسيادة واستمرارية، ويجب أن تكون جزءاً من تصميم المشروع منذ البداية.

والذكاء الاصطناعي لا يبدأ بشراء التطبيقات ولا بإعلان الخطط. يبدأ ببيانات موثوقة ومنظمة، وببنية حوسبة واتصال آمنة، وبقواعد واضحة لحماية الخصوصية، وبكوادر سورية قادرة على تطوير الحلول وإدارتها. من دون ذلك، ستظل سوريا مستهلكة لأدوات الآخرين، فيما تبقى بياناتها وخبراتها موزعة بين أنظمة لا تتحدث اللغة نفسها.

أما الشراكات الدولية، فلا تعارض السيادة الرقمية بحد ذاتها. يمكنها أن تسرّع الإنجاز وتنقل الخبرة، بشرط أن تكون شروطها واضحة: استضافة البيانات داخل سوريا حيثما أمكن، وتسليم الوثائق الفنية والمعرفة اللازمة للتشغيل والصيانة، وتدريب فرق وطنية، وضمان قدرة المؤسسات السورية على إدارة المنظومة وتطويرها بعد انتهاء المشروع. الشريك يمكن أن يكون مسرّعاً مؤقتاً، لكن لا ينبغي أن يصبح بديلاً دائماً عن القدرة الوطنية.

هنا تقع مسؤولية وزارة الاتصالات والجهات المعنية بالتحول الرقمي: أن تنتقل من التنسيق الظرفي إلى قيادة وطنية واضحة، تضع معايير موحدة وتلزم بها المؤسسات. فالمطلوب ليس إطلاق منصة أخرى، بل خارطة طريق تتضمن هوية رقمية موحدة، ومنصة حكومية لتبادل البيانات، ومعايير مشتركة للربط والأمن السيبراني، وسجلاً وطنياً للمشاريع الرقمية، ومؤشرات معلنة لقياس ما تحقق.

كما ينبغي أن تكون هذه الخارطة مرتبطة بجدول زمني ومسؤوليات محددة، وأن تفتح المجال أمام الجامعات والشركات السورية للمشاركة في البناء، لا أن تحصر المعرفة في عقود قصيرة الأجل. فإعادة بناء الدولة الرقمية فرصة لصناعة سوق محلية، وتوفير وظائف نوعية، واستعادة ثقة المستثمر والمواطن معاً.

إطلاق مشروع رقمنة تسجيل الشركات قد يكون بداية مهمة، لكنه يضع أمامنا اختباراً حقيقياً: هل سنربط هذه الخطوة بمنظومة وطنية موحدة، أم سنضيف جزيرة رقمية جديدة إلى أرخبيل المنصات؟

سوريا لا تحتاج إلى مزيد من الاحتفالات بإطلاق الأنظمة بقدر حاجتها إلى خطة وطنية تُعلن للناس وتُلزم المؤسسات. فالتحول الرقمي لا يُقاس بعدد المنصات، بل بقدرة الدولة على جعل بياناتها وخدماتها تعمل معاً، وبقدرتها على حماية المعرفة والقرار داخل حدودها.

المنشورات ذات الصلة

الشراكة الصينية.. من التجارة إلى الاستثمار الميداني.

Samer Al-Bashlawi

ريما داوود تنسج «بوصلة الحياة» من بيت نزار قباني.. حكايتان يلتقي فيهما الحب والإبداع والإنسانية

Samer Al-Bashlawi

الثروة الكامنة في معالجة النفايات في سوريا

Samer Al-Bashlawi