syriavest
آراءالنخبة

سورية وسلاسل التصنيع الأوروبية… فرصة استراتيجية لإعادة التموضع الصناعي

🧠✒️ محمد تيسير طرقجي
3 تشرين الثاني 2026

تواجه الصناعة الأوروبية، والألمانية خصوصاً، تحديات متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والعمل، والمنافسة الآسيوية، ومتطلبات التحول التكنولوجي. وقد دفعت هذه العوامل شركات أوروبية منذ عقود إلى نقل أجزاء من عملياتها الإنتاجية إلى دول مثل الهند وتركيا والصين، مع الاحتفاظ بالهندسة والتطوير والتقنيات الأساسية في بلدانها الأصلية.

وفي صناعة الآلات النسيجية تحديداً، شهدنا انتقال تصنيع بعض آلات الصباغة والتجهيز والتحضير ومكوناتها إلى دول أقل تكلفة، عبر الاستثمارات المباشرة والشراكات الصناعية والتصنيع بموجب تراخيص. ولم يكن انخفاض الأجور وحده سبب نجاح هذه التجارب، بل توافر المهارات والموردين المحليين والبنية التحتية والقدرة على الالتزام بالجودة ومواعيد التسليم.

وهنا يبرز سؤال استراتيجي: هل تستطيع سورية، بموقعها الجغرافي القريب من أوروبا وتركيا والمتصل بالأسواق العربية، أن تصبح قاعدة تصنيع مكملة للصناعة الأوروبية ضمن مفهوم التصنيع القريب من الأسواق (Nearshoring)؟

نحن في سورية لا نبدأ من الصفر. ففي حلب وغيرها توجد خبرات صناعية متراكمة في تصنيع آلات النجارة والمكابس وآلات تغليف المواد الغذائية والعجانات والمحامص ومعدات خطوط الإنتاج. وهذه الصناعات تشكل نواة يمكن تطويرها بتحديث التصميم الهندسي، وإدخال تقنيات CNC والأتمتة، ورفع معايير الجودة. ولا يعني ذلك تصنيع جميع مكونات الآلة محلياً، فمن الطبيعي استيراد المحركات وأنظمة التحكم والمكونات التكنولوجية المتخصصة عندما يكون ذلك أجدى اقتصادياً، فالهدف هو تحقيق قيمة مضافة محلية تنافسية، وليس الاكتفاء الذاتي.

وتمتلك سورية ميزة إضافية مهمة تتمثل في الكفاءات السورية العاملة في ألمانيا وأوروبا، التي اكتسبت ليس فقط المعرفة الهندسية والتكنولوجية، بل أيضاً منهجية التفكير والإدارة الصناعية الألمانية القائمة على التخطيط والانضباط والدقة والجودة والإنتاجية والتحسين المستمر. ويمكن لهذه الكفاءات أن تشكل جسراً لنقل المعرفة وبناء الثقة والشراكات مع الشركات الأوروبية، دون اشتراط عودتها النهائية إلى سورية.

لكن الموقع الجغرافي والخبرات المتاحة لا يكفيان وحدهما. فالاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي، وسيادة القانون، وحماية الاستثمارات، وتوافر الطاقة والتمويل والبنية اللوجستية، شروط أساسية لجذب الشركات العالمية. فالمستثمر لا يبحث عن العمالة الأقل أجراً فقط، بل عن التكلفة الصناعية الكلية والموثوقية والقدرة على الوفاء بالتعاقدات.

وأقترح إطلاق برنامج وطني بعنوان «سورية شريك التصنيع الأوروبي»، يبدأ بتقييم قدرات المصانع الهندسية السورية، وإنشاء شبكة للكفاءات الصناعية السورية في أوروبا، والتواصل مع الشركات الألمانية والأوروبية لتحديد فرص تصنيع المكونات وقطع الغيار والآلات والتجميع المشترك. ويترافق ذلك مع تطوير تجمعات صناعية هندسية متخصصة (Engineering Clusters)، خصوصاً في حلب، تربط المصانع بمراكز التصميم والتدريب والاختبار والموردين المحليين، مع حوافز مرتبطة بالإنتاجية والجودة ونقل التكنولوجيا والتصدير.

إن إعادة بناء الصناعة السورية لا ينبغي أن تقتصر على إعادة تشغيل المصانع القديمة، بل على تطوير ما نملكه بالفعل، والدخول التدريجي في سلاسل القيمة العالمية (Global Value Chains)، والاستفادة من التحولات الجارية في خريطة التصنيع الدولية.

والسؤال الذي أطرحه للنقاش: لماذا لا نبدأ من حلب، ومن صناعاتنا الهندسية القائمة وكفاءاتنا المنتشرة في أوروبا، لنؤسس شراكات تصنيع دولية تجعل من سورية قاعدة إقليمية للصناعات الهندسية؟

فمستقبل الصناعة السورية لن يتحدد بعدد المصانع التي نعيد افتتاحها، بل بقدرتنا على امتلاك المعرفة، وتطوير ثقافة العمل الصناعي، وإنتاج سلع قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية.

المنشورات ذات الصلة

الشراكة الصينية.. من التجارة إلى الاستثمار الميداني.

Samer Al-Bashlawi

ريما داوود تنسج «بوصلة الحياة» من بيت نزار قباني.. حكايتان يلتقي فيهما الحب والإبداع والإنسانية

Samer Al-Bashlawi

الثروة الكامنة في معالجة النفايات في سوريا

Samer Al-Bashlawi