syriavest
آراءالنخبة

من يهزّ الكيس؟


جلستُ في الباص بجانب رجلٍ كبير في السن يحمل كيساً من الخيش، وكان كل دقيقتين تقريباً يهزّ الكيس بعنف، وأحياناً يضربه.
أثار الأمر فضولي، فسألته عن السبب، فقال:
أنا أعمل في صيد الفئران لصالح مركز بحوث، وفي هذا الكيس عدد كبير منها. وإذا تركتها هادئة فترة طويلة، فقد تتعاون على قضم الكيس وصنع ثقب فيه، ثم تهرب جميعاً، وأخسر كل ما تعبت من أجله.
فسألته: وما علاقة هزّ الكيس بذلك؟
قال: عندما أهزّه وأضربه باستمرار، ترتبك الفئران وتشعر بالخطر، فتنشغل ببعضها وتبدأ بمهاجمة بعضها بعضاً بدلاً من الانشغال بتمزيق الكيس والهروب منه.
بقيت كلماته في رأسي، وأسقطتُ الحكاية على واقعنا، وسألت نفسي:
كم يدٍ تهزّ الكيس الذي نعيش فيه؟
كم من أزمة تُلحق بأزمة، وصراع يُضاف إلى صراع، وتعصّب يُؤجَّج، وجدال عقيم يملأ وسائل التواصل الاجتماعي، حتى ننشغل ببعضنا بعضاً فلا نعود نرى ما يحدث حولنا، ولا نسأل عن الأسباب الحقيقية لما نعيشه؟
حين ينشغل الناس بالتفاهات والجدال والتخوين والتعصب والاقتتال في معارك لا تغيّر واقعهم، بل تزيده سوءاً، يضيع السؤال الأهم:
من يهزّ الكيس؟ ومن المستفيد من بقائنا منشغلين ببعضنا؟
والأهم من ذلك: لماذا لا تُحاسَب الأيدي التي تعبث بحياتنا، ومعها الأذرع التي تحرّض على الكراهية والانقسام والفوضى؟
وإذا أردنا فعلاً بناء دولة، فلا يجوز أن تكون المحاسبة انتقائية؛ فنحاسب من يحرّض لأنه ضدنا، ونتغاضى عمّن يفعل الشيء نفسه لأنه معنا.
العدالة التي تتغير بحسب هوية الفاعل ليست عدالة.
من يحرّض ويزرع الفتنة ويؤجّج الانقسام يجب أن يُحاسَب، سواء كان معنا أم ضدنا، قريباً منا أم بعيداً عنا.
هكذا تُبنى الدول: بالقانون والعدالة والمساواة في المحاسبة، لا بازدواجية المعايير.
وكفانا هزّاً…
لأنكم مهما هززتمونا، نبقى بشراً، ولن نصبح فئراناً أبداً.

منير خليفة

المنشورات ذات الصلة

برأس مال صغير.. مشروعات منزلية قابلة للنمو في السوق السورية

Samer Al-Bashlawi

بيت شريف للسياحة: رفاهية مخصصة للأفراد والشركات حول العالم

Samer Al-Bashlawi

من العزلة إلى الاستثمار.. سوريا أمام فرصة اقتصادية تاريخية

Samer Al-Bashlawi