syriavest
آراءالنخبة

المشكلة ليست من يحكم وكيف نحكم … بل كيف نمارس السلطة …

الأستاذ منير خليفة

قد آلمني كثيراً وفاة المرحوم محمد غميرة، ابن مدينة الحفّة ،متأثر بمضاعفات نزيف دماغي وفي جهازه الهضمي نتيجة تعرضه للضرب بعد توقيفه في مخفر الحفة في محافظة اللاذقية ، وكان يعاني من مرض الناعور مايزيد من خطر حدوث النزف ومضاعفاته. رحمه الله عليه، والله يصبّر أهله وأحبابه.
والموضوع ليس فقط عن المرحوم محمد، وإنما عن حوادث كثيرة مماثلة حدثت وتحدث مع جميع طوائف وفئات الشعب السوري.
اليوم كنت أنا ومحمد، المدير المالي في شركتي، نتحدث عن هذه القضية، ودار بيننا حديث طويل حول الأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى وقوع مثل هذه الحوادث.
لن أطيل عليكم وادخلكم في تفاصيل هذا الحديث، لكنني سأشارككم وجهة نظري التي شرحتها له.
أعتقد أن لدى البشر جميعاً، من دون استثناء شعب أو مجتمع، لديه نزعةً عدوانية ، واقول عدوانية ولانني لن أصفها بـ«الحيوانية» كما يفعل البعض، مستندين بأن الحيوان غالباً لا يؤذي إلا بدافع الخوف أو الجوع أو الدفاع عن نفسه، ولهذا حسب وصفهم ان البعض يكون افظع من الحيوان بأفعاله.
ماعلينا وخلينا على توصيف النزعة العدوانية لنقول أن هذه النزعة قد تبقى كامنة، لكنها تظهر بوضوح عندما يُمنح الإنسان سلطةً على الآخرين، مهما كانت هذه السلطة صغيرة. عندها، وإذا غابت الضوابط والمحاسبة، قد تبدأ الغطرسة والتسلط وإهانة الناس، وقد يصل الأمر أحياناً إلى العنف.
قلت إن هذه الظاهرة موجودة في كل مكان، لكنني، وللأسف، أجدها في سورية أكثر وضوحاً مما رأيته في أماكن كثيرة أخرى.
وليفكر كل واحد منا: كم مرة قابل موظفاً يتعامل بتعالٍ مع الناس ويعقّد معاملاتهم لمجرد أنه يملك توقيعاً أو ختماً؟ وكم مرة شاهدنا مسؤولاً عن محطة وقود أو توزيع الغاز يتعامل مع الناس وكأنه يمنّ عليهم بحق من حقوقهم؟ وكم مرة واجهنا سائقاً أو شرطياً أو موظفاً صغيراً يستخدم الصلاحية المحدودة التي مُنحت له ليفرض سطوته على الآخرين؟
الأمثلة كثيرة جداً، والمشكلة، في رأيي، أعمق من أشخاص بعينهم.
لذلك، فإن تغيير الأنظمة وحده، مهما كان ضرورياً، لن يكون كافياً إذا لم يترافق مع تغيير حقيقي في ثقافة ممارسة السلطة. فالمشكلة ليست فقط: من يحكم؟ بل أيضاً: كيف يتصرف الإنسان عندما يمتلك سلطةً على إنسان آخر؟
وهذا التغيير لا يتحقق بالشعارات، وإنما بالقوانين الصارمة، والتدريب، والتثقيف، والرقابة، والمحاسبة.
كل شخص سنمنحه صلاحيةً على الآخرين، مهما كانت محدودة، يجب أن يخضع أولاً لتدريب حقيقي على القانون، وعلى حدود صلاحياته، وعلى حقوق الناس وكرامتهم. ويجب أن يعرف منذ اليوم الأول أن تجاوز هذه الحدود سيعرّضه لمحاسبة فعلية وعقوبات واضحة، لا لمجرد تنبيه أو نقل من مكان إلى آخر.
ويصبح هذا الأمر أكثر أهمية عندما نتحدث عن أجهزة الأمن والشرطة، لأنها تمتلك، بطبيعتها، صلاحيات واسعة تمس بصورة مباشرة حرية الإنسان وكرامته وسلامته.
ومن هنا أسأل:
لماذا لا تكون كاميرات المراقبة إلزامية في جميع مراكز ومخافر الشرطة والأمن، وفي الأماكن التي يتم فيها التعامل مع الموقوفين، بحيث لا تبقى هناك زاوية خارج الرقابة؟
بل إنني أؤيد وجود كاميرات مراقبة في كل دائرة ومؤسسة رسمية يتعامل فيها الموظف مباشرةً مع المواطنين، مع وجود جهة مستقلة تحفظ التسجيلات وتراجعها عند وقوع أي شكوى أو تجاوز.
الكاميرا لن تغيّر طبيعة الإنسان، لكنها ستجعله يدرك أن تصرفاته موثقة، وأن هناك من سيراجعها ويحاسبه عليها إذا تجاوز القانون.
وفي النهاية، لا يمكن أن نبني دولةً جديدة بعقلية قديمة.
الدولة لا تُبنى فقط بتغيير الأشخاص والأنظمة، بل ببناء مؤسسات تجعل القانون أقوى من الأشخاص، والمحاسبة أقوى من السلطة، وكرامة الإنسان فوق الجميع.

المنشورات ذات الصلة

برأس مال صغير.. مشروعات منزلية قابلة للنمو في السوق السورية

Samer Al-Bashlawi

بيت شريف للسياحة: رفاهية مخصصة للأفراد والشركات حول العالم

Samer Al-Bashlawi

من العزلة إلى الاستثمار.. سوريا أمام فرصة اقتصادية تاريخية

Samer Al-Bashlawi