syriavest
آراءالنخبة

الكود السوري للاتصالات في المباني… خطوة صحيحة تأخرت بسبب غياب التكامل المؤسسي


إعلان وزير الاتصالات وتقانة المعلومات السيد عبد السلام هيكل طرح مسودة «الكود السوري للاتصالات في المباني» للمشاورة العامة، تمهيداً لإدخال البنية التحتية للاتصالات ضمن نظام ضابطة البناء، يمثل خطوة ضرورية ومهمة في مسار تحديث البنية العمرانية السورية.

فمن غير المقبول اليوم أن تُشيّد الأبنية بملايين الدولارات، ثم تُترك بنيتها الرقمية للاجتهادات الفردية والتمديدات العشوائية وأعمال الحفر والتكسير اللاحقة. كما لا يمكن بناء اقتصاد رقمي أو مدن ذكية فوق أبنية لم تُصمم أصلاً لاستقبال الألياف الضوئية والعدادات الذكية وأنظمة المراقبة والإنذار والخدمات الرقمية الحديثة.

لكن الأهمية الحقيقية للإعلان لا تكمن في إصدار كود جديد فحسب، بل في السؤال الأوسع: لماذا ما زالت المؤسسات السورية تعمل في كثير من الأحيان على الملفات المترابطة وكأنها ملفات منفصلة؟

ما نحتاجه ليس «كود إنترنت» فقط

الكود المطلوب لا ينبغي أن يُختزل في تحديد مسارات كابلات الهاتف والإنترنت أو إيصال الألياف الضوئية إلى الشقق والمكاتب. ما تحتاجه سورية فعلياً هو كود متكامل للبنية التحتية الرقمية والذكية داخل المباني، ينظر إلى البناء بوصفه منصة خدمات مستقبلية، وليس مجرد هيكل إسمنتي تُضاف إليه التقنيات بعد إشغاله.

غرفة الاتصالات في المبنى الحديث ليست مكاناً لصندوق الهاتف أو موزّع الإنترنت فقط، بل هي نقطة الربط المركزية بين مجموعة واسعة من الأنظمة، منها:

  • شبكات الألياف الضوئية والاتصالات الثابتة.
  • خدمات الإنترنت والتلفزيون التفاعلي IPTV.
  • شبكات الهاتف المحمول وأنظمة تحسين التغطية داخل المباني.
  • عدادات الكهرباء والمياه والغاز الذكية.
  • أنظمة المراقبة والتحكم بالدخول.
  • حساسات الدخان والحرارة وتسرب الغاز والمياه.
  • منظومات الإنذار والإخلاء والدفاع المدني.
  • أنظمة إدارة الطاقة والمصاعد والتكييف والإنارة.
  • تجهيزات المنازل والمكاتب الذكية وإنترنت الأشياء.
  • محطات شحن المركبات الكهربائية وإدارة استهلاكها.
  • الأنظمة المركزية لإدارة المبنى وربطه مستقبلاً بمنصات المدينة الذكية.

لذلك يجب أن يتناول الكود منذ مرحلة التصميم وجود غرفة اتصالات رئيسية، وغرف فرعية عند الحاجة، ومسارات رأسية وأفقية مستقلة، وقنوات احتياطية للتوسع، ومصادر تغذية كهربائية وحماية وتأريض وتهوية مناسبة، إضافة إلى اشتراطات مقاومة الحريق وسهولة الصيانة والوصول المنظم إلى التجهيزات.

كما ينبغي أن يضمن حيادية البنية التحتية ومنع احتكارها من مشغّل واحد، بحيث يستطيع المواطن اختيار مزود الخدمة دون إعادة تكسير البناء أو تمديد شبكات جديدة في واجهاته وممراته.

هذه المعايير ليست اختراعاً سورياً جديداً

على المستوى الدولي، لم تعد البنية الرقمية جزءاً ثانوياً من البناء. الاتحاد الدولي للاتصالات وضع أُطراً للبنية التحتية للمدن الذكية والمستدامة، فيما تتعامل منظومات ISO وIEC مع المدينة الذكية باعتبارها نظاماً مترابطاً يجمع الاتصالات والطاقة والمياه والنقل والسلامة وإدارة الأبنية، وليس مجموعة مشروعات منعزلة. الاتحاد الدولي للاتصالات⁠، اللجنة المشتركة للمدن الذكية ISO/IEC⁠

وفي سورية أيضاً لم تبدأ المعرفة الهندسية من الصفر؛ فنقابة المهندسين واللجان الاختصاصية والخبرات الوطنية راكمت دراسات ومقترحات وكودات فنية يمكن البناء عليها. المطلوب ليس تجاهل ما أُنجز وإعادة إنتاجه تحت أسماء جديدة، بل جمعه وتحديثه ومواءمته مع التطور التكنولوجي والمعايير الدولية، ثم تحويله إلى متطلبات ملزمة وقابلة للتطبيق والرقابة.

وهنا يظهر الفرق بين وجود دراسة فنية داخل مؤسسة، وبين تحولها إلى سياسة وطنية نافذة.

المشكلة ليست فنية فقط… بل مشكلة تكامل حكومي

لو كانت هناك قاعدة وطنية موحدة للدراسات والمشروعات والكودات التي أعدتها الوزارات والنقابات والجامعات والهيئات العامة، لكان واضحاً منذ البداية أن هذا الملف ليس مسؤولية وزارة الاتصالات وحدها.

وزارة الاتصالات تحدد المتطلبات الرقمية والفنية، ونقابة المهندسين تراجع الكودات وتؤهل المهندسين والمكاتب المختصة، ووزارة الإدارة المحلية والإسكان تدمجها في ضابطة البناء، والمحافظات والوحدات الإدارية تطبقها عند منح التراخيص، والدفاع المدني يحدد متطلبات السلامة والإنذار، ووزارات الكهرباء والموارد المائية والنفط تحدد مواصفات العدادات الذكية والربط، بينما تضع الجهات المختصة بالأمن السيبراني ضوابط حماية هذه الأنظمة.

إن غياب هذا التكامل يجعل كل جهة تبدأ من نطاق اختصاصها الضيق، بينما المبنى الذكي لا يعترف بالحدود الإدارية بين الوزارات.

ومن الإيجابي أن الوزارة أوضحت أن الصيغة النهائية للكود ستصدر بالتعاون مع نقابة المهندسين ووزارة الإدارة المحلية والوزارات والمحافظات المعنية. لكن المطلوب أن يتحول هذا التعاون من مشاورات متفرقة إلى لجنة وطنية دائمة تمتلك صلاحية إعداد كود موحد، وتحديثه دورياً، ومتابعة تنفيذه. صفحة المشروع في وزارة الاتصالات⁠

الكود يجب أن يبدأ من رخصة البناء

لكيلا تبقى المسودة وثيقة فنية جيدة من دون أثر فعلي، ينبغي ربطها مباشرة بالإجراءات التنفيذية:

  1. عدم منح رخصة بناء جديدة قبل اعتماد مخطط البنية التحتية الرقمية من مهندس مختص.
  2. عدم منح إذن الإشغال قبل اختبار الشبكات والمسارات وغرف الاتصالات والتأكد من مطابقتها.
  3. إدخال مهندسي الاتصالات والمعلوماتية رسمياً ضمن فرق تصميم الأبنية والإشراف عليها.
  4. تصنيف الأبنية وفق نوعها وحجمها واستخدامها، لأن متطلبات البرج التجاري تختلف عن البناء السكني أو المستشفى أو المدرسة.
  5. وضع برنامج خاص لتأهيل الأبنية القائمة من دون فرض حلول غير واقعية أو تكاليف لا يستطيع السكان تحملها.
  6. اعتماد مواصفات مفتوحة ومحايدة تسمح بتعدد المشغلين والتوسع المستقبلي.
  7. إدراج متطلبات الأمن السيبراني وحماية البيانات منذ التصميم، لا بعد تشغيل الأنظمة.
  8. مراجعة الكود دورياً، لأن دورة تطور التكنولوجيا أسرع بكثير من دورة تعديل التشريعات التقليدية.

فرصة اقتصادية وليست عبئاً تنظيمياً

تطبيق هذا الكود لن يكون تكلفة إضافية على قطاع البناء بقدر ما سيكون استثماراً طويل الأمد. فالتكلفة المحدودة لإنشاء المسارات والغرف والقنوات أثناء التنفيذ أقل بكثير من تكلفة التكسير وإعادة التأهيل بعد إشغال البناء.

كما سيفتح الكود سوقاً حقيقية أمام مهندسي الاتصالات والمعلوماتية، ومصممي الشبكات، وشركات الألياف الضوئية، وموردي أنظمة الحماية والتحكم، ومراكز الاختبار والاعتماد، وشركات إدارة الأبنية الذكية.

وسيمنح المطور العقاري السوري فرصة لتقديم عقارات جاهزة للمستقبل، بدلاً من بيع أبنية حديثة من الخارج، لكنها غير قادرة من الداخل على استيعاب أبسط خدمات العصر الرقمي.

من كود للاتصالات إلى كود وطني للمباني الذكية

إعلان وزارة الاتصالات خطوة تستحق الدعم، لكنه يجب أن يكون نقطة بداية لا نهاية المشروع. فسورية لا تحتاج إلى تمديد كابل أسرع داخل البناء فقط؛ بل تحتاج إلى إعادة تعريف البناء نفسه باعتباره جزءاً من البنية الرقمية للدولة.

المطلوب أن تتولى وزارة الإدارة المحلية والإسكان، بالتعاون مع وزارة الاتصالات ونقابة المهندسين وبقية الجهات، تعميم كود وطني متكامل للمباني الذكية، يجمع الاتصالات والطاقة والعدادات والسلامة والدفاع المدني والمراقبة وإدارة المرافق والأمن السيبراني في إطار هندسي واحد.

فالمدينة الذكية لا تُبنى بتطبيق إلكتروني فوق مدينة تقليدية، ولا بمنصة مركزية فوق أبنية غير مؤهلة. المدينة الذكية تبدأ من المخطط الهندسي، ومن غرفة الاتصالات، ومن المجرى الاحتياطي داخل الجدار، ومن حساس السلامة، ومن عداد قادر على تبادل البيانات، ومن مؤسسات حكومية تعرف ما تملكه المؤسسات الأخرى من دراسات وخبرات.
بقلم الدكتور عمار دلول
لمتابعة المزيد من المقالات والتحليلات، يرجى زيارة الموقع الإلكتروني.
وللاستشارات المتخصصة في التحول الرقمي والحكومات الذكية
واتساب:
+968 9369 6500
او عبر الايميل
Dalloul.19811@gmail.com
و يمكنكم متابعة المقالات و المشاركات في الصحف الوطنية و الدولية عبر الموقع
https://drammardalloul.my.canva.site/dr-ammar

المنشورات ذات الصلة

برأس مال صغير.. مشروعات منزلية قابلة للنمو في السوق السورية

Samer Al-Bashlawi

بيت شريف للسياحة: رفاهية مخصصة للأفراد والشركات حول العالم

Samer Al-Bashlawi

من العزلة إلى الاستثمار.. سوريا أمام فرصة اقتصادية تاريخية

Samer Al-Bashlawi