syriavest
آراءالنخبة

الطب والدواء ليسا مؤامرة.. ارتقوا فالقاع مزدحم

بقلم المهندس سلام أبازيد

في السنوات الأخيرة، أصبح التشكيك بالطب والدواء حديثاً متداولاً بين الناس، حتى بات البعض ينظر إلى الأدوية التي استخدمها طوال حياته، وأسهمت في شفائه أو السيطرة على أمراضه، وكأنها سموم تُقدَّم للبشر تحت غطاء العلاج!

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل يمكن أن نختزل عقوداً طويلة من التقدم الطبي والعلمي في نظرية مؤامرة، وأن نتجاهل ما حققه الطب من إنجازات غيّرت حياة الملايين، وأسهمت في إنقاذ الأرواح، والحد من انتشار الأمراض، ورفع متوسط العمر المتوقع في مختلف أنحاء العالم؟

لقد شهد العالم نمواً سكانياً هائلاً، وارتفع متوسط الأعمار في كثير من الدول، وتراجعت وفيات الأطفال والأمهات، وأصبحت أمراض كانت تُعدّ قاتلة قابلة للعلاج أو السيطرة. ولم يكن ذلك وليد الصدفة، بل نتيجة عوامل متعددة، في مقدمتها تطور الطب واللقاحات والأدوية، إلى جانب تحسن التغذية والنظافة والصرف الصحي والرعاية الصحية.

ومن حق الإنسان أن يسأل، وأن يناقش، وأن يطالب بالدليل، لكن ليس من المنطق أن يتحول السؤال إلى اتهام، أو أن يصبح التشكيك بديلاً عن المعرفة، وأن تُرفض الحقائق العلمية لمجرد انتشار رواية مثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي.

فالطب ليس معصوماً من الخطأ، وشركات الأدوية ليست فوق المساءلة، لكن الأخطاء والتجاوزات لا تعني أن المنظومة الطبية بأكملها مؤامرة. هناك فرق كبير بين النقد العلمي المسؤول، الذي يسعى إلى تصحيح الأخطاء وحماية الإنسان، وبين إطلاق الأحكام العامة التي قد تدفع الناس إلى ترك العلاج أو رفض الوقاية، بما يعرّض صحتهم وحياتهم للخطر.

أما اللقاحات، فهي من أبرز الإنجازات الطبية التي أسهمت في الحد من انتشار أمراض خطيرة، وحماية ملايين البشر. وكأي تدخل طبي، قد تكون لها آثار جانبية، تختلف بحسب نوع اللقاح وحالة الشخص، ولهذا تخضع لتقييمات علمية ورقابة مستمرة. لكن وجود مخاطر محتملة لا يعني أن الغاية منها قتل الناس، بل إن الحكم عليها يجب أن يستند إلى الأدلة العلمية وموازنة المنافع بالمخاطر.

ومن جهة أخرى، فإن الاهتمام بالصحة لا يبدأ عند المرض، بل بالوقاية، والمتابعة الطبية المناسبة، وإجراء الفحوصات التي يوصي بها الأطباء وفق العمر والحالة الصحية، والابتعاد عن العادات الضارة. فالعناية بالنفس مسؤولية، وليست خوفاً من المرض، كما أن الثقة بالطب لا تعني تناول الأدوية عشوائياً، بل استخدامها عند الحاجة، وبإشراف طبي، وفق الجرعات والتعليمات الصحيحة.

إن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نمنح الشائعات سلطة تفوق سلطة العلم، وأن نضع منشوراً مجهول المصدر في كفة، وعقوداً من الأبحاث والتجارب والأدلة في كفة أخرى، ثم نطلب من الناس أن يختاروا بناءً على الخوف لا المعرفة.

نحن بحاجة إلى وعي يميّز بين الحقيقة والادعاء، وإلى عقول لا تنساق وراء كل ما يُنشر، وإلى نقاش مسؤول يحترم العلم دون أن يمنحه حصانة من النقد.

فالطب والدواء ليسا مؤامرة، واللقاح ليس مشروعاً لقتل الإنسان، والعلم لا يُحاكم بالشائعات، بل بالأدلة.

ارتقوا في طريقة تفكيركم، وابحثوا قبل أن تحكموا، واسألوا أهل الاختصاص قبل أن تنصحوا الآخرين بترك علاجهم أو رفض لقاحاتهم.

ارتقوا، فالقاع مزدحم.

المنشورات ذات الصلة

الشراكة الصينية.. من التجارة إلى الاستثمار الميداني.

Samer Al-Bashlawi

ريما داوود تنسج «بوصلة الحياة» من بيت نزار قباني.. حكايتان يلتقي فيهما الحب والإبداع والإنسانية

Samer Al-Bashlawi

الثروة الكامنة في معالجة النفايات في سوريا

Samer Al-Bashlawi