syriavest
آراءالنخبة

من مقاعد الدراسة إلى ميادين الإنتاج.. كيف نصنع اقتصاداً يستثمر في طاقات الشباب؟

🔴✍️بقلم: مازن كنينه عضو مجلس إدارة غرفة تجارة ريف دمشق

عندما نتحدث عن بناء اقتصاد قوي، غالباً ما يتجه الاهتمام إلى الاستثمار ورؤوس الأموال والبنية التحتية، وهي عناصر أساسية في أي عملية تنموية. لكن هناك عنصراً لا يقل أهمية عنها، بل تتوقف عليه كفاءة الاستفادة منها جميعاً، وهو الإنسان.
فالموارد مهما تنوعت لا تتحول إلى إنتاج حقيقي من دون كفاءات قادرة على إدارتها وتطويرها، وهذا ما يجعل الاستثمار في العنصر البشري قضية اقتصادية بامتياز.
وتبرز أهمية الشباب في هذا المجال، لما يمتلكونه من طاقات وقدرات على التعلم والتكيف مع المتغيرات. لكن هذه الطاقات تحتاج إلى توجيه وتأهيل وفرص مناسبة حتى تتحول إلى قيمة مضافة في الاقتصاد. ومن هنا، فإن الاهتمام بالشباب يجب ألا يقتصر على توفير فرص العمل بعد التخرج، بل ينبغي أن يبدأ من اختيار التخصص، ويمتد إلى جودة التعليم والتدريب، وصولاً إلى القدرة على دخول سوق العمل والمساهمة في الإنتاج.
التعليم وسوق العمل.. العلاقة التي تحتاج إلى تطوير
من التحديات التي تواجه كثيراً من الاقتصادات عدم التوافق الكافي بين مخرجات التعليم واحتياجات المؤسسات. فقد يجد الخريج صعوبة في الحصول على فرصة تتناسب مع اختصاصه، في حين تبحث منشآت اقتصادية عن مهارات مهنية وتقنية لا تتوافر لديها بسهولة. وهذه الفجوة لا ترتبط بالتعليم وحده، بل تتأثر أيضاً بحجم النشاط الاقتصادي والاستثمار والقدرة على خلق فرص عمل جديدة.
ومع ذلك، فإن تطوير العلاقة بين التعليم وسوق العمل يمكن أن يحقق نتائج مهمة، من خلال توجيه البرامج التعليمية والتدريبية نحو المهارات المطلوبة، ومراجعة الاختصاصات بصورة دورية، والاستفادة من المعلومات التي يقدمها أصحاب الأعمال حول احتياجاتهم الحالية والمستقبلية.
اقتصادياً، لا تكمن المسألة في عدد الشهادات التي يحصل عليها الشباب، وإنما في قدرتهم على استخدام ما تعلموه في بيئة العمل. فكلما تحسنت المواءمة بين التأهيل والوظيفة، ارتفعت فرص الاستفادة من الكفاءات، وتراجعت احتمالات هدر الوقت والموارد، وأصبحت المؤسسات أكثر قدرة على تحسين أدائها وإنتاجيتها.
هل نختار للشباب اختصاصاتهم، أم نساعدهم على اختيارها؟
برأيي، هذه من المسائل التي تستحق اهتماماً أكبر عند الحديث عن تطوير التعليم. فالطالب لا ينبغي أن يختار اختصاصه بعيداً عن ميوله وقدراته، كما لا ينبغي أن يتخذ قراره من دون معرفة بطبيعة سوق العمل والفرص المتاحة أمامه.
المطلوب هو تحقيق التوازن بين رغبة الطالب وإمكاناته من جهة، واحتياجات الاقتصاد من جهة أخرى. فالطالب الذي يدرس مجالاً يناسب قدراته واهتماماته، ويحصل على التأهيل المناسب، تكون لديه فرصة أفضل للتطور في عمله والاستمرار فيه. وعندما تتوافق مهاراته مع متطلبات الوظيفة، يستفيد هو من خلال بناء مساره المهني، وتستفيد المؤسسة من خلال تحسين الأداء وجودة العمل.
ولتحقيق ذلك، تبرز أهمية الإرشاد الأكاديمي والمهني في المدارس والجامعات، وتعريف الطلاب بالاختصاصات والمهن ومتطلباتها، وتوفير معلومات واضحة عن فرص العمل المرتبطة بها. كما أن التدريب العملي خلال الدراسة يساعد الطالب على اكتشاف المجال الذي يناسبه، ويمنحه تصوراً واقعياً عن طبيعة العمل قبل التخرج.
ولا يعني هذا توجيه جميع الطلاب نحو اختصاصات محددة أو الاكتفاء بالتخصصات المطلوبة في الوقت الراهن، فاحتياجات السوق تتغير، والاقتصاد يحتاج إلى تنوع في المعارف والمهارات. إنما المطلوب هو مساعدة الطالب على اتخاذ قرار واعٍ يجمع بين طموحه الشخصي والفرص الواقعية، مع امتلاكه القدرة على تطوير مهاراته ومواكبة المتغيرات مستقبلاً.
من الشهادة إلى الكفاءة.. دور المؤسسات وأصحاب الأعمال
إن تطوير التعليم لا يتحقق بالمناهج النظرية وحدها، بل يحتاج إلى مساحة أوسع للتطبيق والتدريب، وإلى شراكة مستمرة بين المؤسسات التعليمية والقطاع الخاص. فأصحاب الأعمال يدركون المهارات التي تحتاج إليها منشآتهم، والمؤسسات التعليمية تمتلك القدرة على إعداد الكوادر وتأهيلها، والتنسيق بين الطرفين يساعد على تقليص الفجوة بين الدراسة والممارسة.
ويمكن تعزيز هذه الشراكة من خلال برامج التدريب أثناء الدراسة، والتطبيق العملي في المنشآت، وتطوير التعليم التقني والمهني، والاستفادة من الخبرات الموجودة في القطاعات الإنتاجية والخدمية عند تحديث البرامج التدريبية.
كما أن مسؤولية التأهيل لا تنتهي بالحصول على الشهادة أو الوظيفة. فالتطور التكنولوجي يفرض على العاملين اكتساب مهارات جديدة بصورة مستمرة، ويجعل التدريب جزءاً من عملية تحسين الأداء. ومن مصلحة المؤسسات أن تستثمر في تطوير موظفيها، لأن الكفاءة المهنية تنعكس على جودة الإنتاج، وتقليل الهدر، وحسن استخدام الموارد.
الشباب ركيزة أساسية للتعافي الاقتصادي في سورية
تكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في سورية، حيث تتطلب مرحلة التعافي تنشيط القطاعات الإنتاجية والخدمية، وتطوير المنشآت القائمة، وتهيئة الظروف لنمو الاستثمارات والمشروعات الجديدة. فالصناعة والزراعة والنقل والخدمات والتكنولوجيا تحتاج إلى كوادر مؤهلة، تجمع بين المعرفة والمهارة والقدرة على التعامل مع متطلبات العمل الحديثة.
ومن المهم أن يرتبط التدريب باحتياجات هذه القطاعات، وأن تتوافر معلومات تساعد على تحديد المهن التي تحتاج إلى كوادر جديدة، والمهارات التي ينبغي تطويرها. كما أن دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة والمبادرات الشبابية يمكن أن يفتح مسارات إضافية للعمل والإنتاج، ولا سيما لدى الشباب الذين يمتلكون أفكاراً قابلة للتحول إلى أنشطة اقتصادية.
وهنا تبرز أهمية توفير التدريب الإداري والمالي، وتسهيل الوصول إلى التمويل الملائم، ومساعدة أصحاب المبادرات على فهم الأسواق وإدارة مشروعاتهم. فالشاب القادر على تأسيس مشروع ناجح لا يوفر فرصة عمل لنفسه فحسب، بل قد يصبح قادراً على تشغيل آخرين والمساهمة في توسيع النشاط الاقتصادي.
لكن من الضروري النظر إلى تأهيل الشباب وخلق فرص العمل باعتبارهما مسارين متكاملين. فالتعليم والتدريب، مهما تحسنت جودتهما، لا يستطيعان وحدهما استيعاب الكفاءات إذا لم يترافقا مع نمو في النشاط الاقتصادي والاستثمار والإنتاج. ولذلك، فإن نجاح أي سياسة لتنمية المهارات يرتبط أيضاً بقدرة بيئة الأعمال على توفير فرص حقيقية تسمح للشباب بتوظيف ما اكتسبوه من معرفة وخبرة.
ومن المفيد أن تقاس نتائج هذه السياسات بمدى تحسن فرص توظيف الخريجين، وارتباط وظائفهم باختصاصاتهم، وتطور مهاراتهم وإنتاجيتهم، ومدى استجابة البرامج التعليمية لاحتياجات المؤسسات. فهذه المؤشرات تساعد على توجيه الجهود نحو النتائج الفعلية، وتمنح عملية التطوير أساساً عملياً يمكن البناء عليه.
الاستثمار في الشباب استثمار في قدرة الاقتصاد على النمو
إن الاهتمام بالشباب لا ينبغي أن يكون مجرد عنوان اجتماعي، بل توجهاً اقتصادياً طويل الأجل، يبدأ بتعليم جيد واختيار واعٍ للتخصص، ويمر بالتدريب واكتساب المهارات، ويصل إلى فرص عمل تتيح للشاب أن يقدم أفضل ما لديه.
فحين يجد الطالب المجال الذي يناسبه، ويحصل على التأهيل المطلوب، ثم ينتقل إلى وظيفة تتوافق مع قدراته، تصبح الفائدة أوسع من حدود الفرد نفسه. تستفيد المؤسسة من كفاءة العامل، ويستفيد الاقتصاد من تحسن الإنتاجية، ويستفيد المجتمع من زيادة فرص العمل وتوسيع قاعدة النشاط الاقتصادي.
وفي النهاية، فإن قيمة الاستثمار في العنصر البشري لا تقاس بما ننفقه على التعليم والتدريب فحسب، بل بما يحققه هذا الاستثمار من نتائج في العمل والإنتاج. ومن هنا، فإن بناء اقتصاد أكثر قدرة على النمو يبدأ من الاهتمام الحقيقي بالشباب، وفهم احتياجاتهم، وتطوير مهاراتهم، وإتاحة الفرص أمامهم للمشاركة الفاعلة في الحياة الاقتصادية.
فالشباب ليسوا مجرد قوة عمل تنتظر فرصتها، بل طاقة إنتاجية يمكن أن تسهم في صناعة الفرص نفسها، متى توافرت لهم المعرفة والمهارة والبيئة المناسبة.

المنشورات ذات الصلة

الشراكة الصينية.. من التجارة إلى الاستثمار الميداني.

Samer Al-Bashlawi

ريما داوود تنسج «بوصلة الحياة» من بيت نزار قباني.. حكايتان يلتقي فيهما الحب والإبداع والإنسانية

Samer Al-Bashlawi

الثروة الكامنة في معالجة النفايات في سوريا

Samer Al-Bashlawi