رمز عالمي شديد المدول و عميق الإشارة للافراد الذين يستطيعون في حياتهم اليومية ارتداء قمصانا بيضاء و تبديلها يوميا محافظين بذلك على نظافتها و لونها الناصع مع مايترتب على ذلك من أعباء و تكاليف بعكس بقية الألوان على سبيل المثال .
انهم الافراد القادرون على توفير مبالغ للادخار من دخولهم السنوية بعد تغطية جميع الحاجات والرغبات الاستهلاكية و هم أصحاب الوظائف العليا و المراتب العلمية و الثقافية و المهنية والإدارية و التجارية .
و هم الأكثر انفاقا و قدرة على التنظيم و الابتكار و التماسك المجتمعي .
و هم الذين يمثلون النسبة الأكبر من المجتمعات العالمية المتطورة و المستقرة .
انهم ببساطة أفراد الطبقة الوسطى رافعة التنمية و ضامنة الاستقرار الاجتماعي في جميع المجتمعات و عندما تنخفض باتجاه الطبقات الفقيرة و جزء قليل من الطبقة الغنية فالاوضاع لن تكون في صالح التنمية و النهوض الاقتصادي و الاستقرار المجتمعي
هذه الطبقة كانت تمثل في سوريا تاريخياً العمود الفقري للمجتمع والشريحة الواسعة المرتبطة بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
لكنها اليوم تواجه خطر التلاشي والانهيار شبه الكامل، نتيجة تراكم عوامل اقتصادية وسياسية .
حيث شهد حجم الطبقة الوسطى في سوريا انهياراً حاداً خلال السنوات الماضية فقبل عام 2011 تُشير التقديرات إلى أن الطبقة الوسطى كانت تشكل أكثر من 60% من المجتمع السوري و هي قبل ذلك في مرحلة الخمسينات كانت تشكل نسبة أكبر ذلك و كانت تضم حتى الموظفين الحكوميين الذين كانوا يتقاضون رواتبا شهرية تعادل بارقام اليوم حوالي ٣٠ مليون ليرة سورية مقارنة بسعر غرام الذهب انذاك و بما يقابله اليوم .
· اليوم (بحلول 2025-2026): انخفضت نسبتهم إلى أقل من 10% (وتُقدَّر أحياناً بـ 5% فقط في أفضل الأحوال وفق تقديرات غير رسمية)، مع انضمام الغالبية العظمى منهم إلى فئة الفقراء.
لم تكن هذه الطبقة متجانسة، بل ضمّت شريحة واسعة من أصحاب المهن والفكر والموظفون والمهنيون المعلمون، الأطباء، المهندسون، المحامون، والمثقفون.
و أصحاب الأعمال و الحرفيون المهرة، التجار، الصناعيون، وأصحاب المحال التجارية المتوسطة.
حيث كانت هذه الفئة قادرة على تأمين أساسيات الحياة الكريمة (سكن، تعليم، صحة) مع هامش واضح للادخار .
أدت سنوات الثورة و العقوبات إلى تدمير كبير لرأس المال البشري والمادي، وانهيار شبكات الأمان الاجتماعي.
حيث تآكلت قيمة الليرة السورية، وارتفعت معدلات التضخم بشكل جامح، وتراجعت القدرة الشرائية، ولم تعد متوسطات الرواتب تغطي الحد الأدنى للمعيشة .كما يُشير محللون إلى أن التآكل بدأ قبل الثورة بسنوات بسبب سياسات اقتصادية متناقضة وفساد مستشرٍ. كما أن سياسات التحرر الاقتصادي غير المنضبط والاستثمارات الكبرى جاءت على حساب دعم الشرائح المتوسطة.
·بالاضافة الىصعود “أثرياء الحرب”حيث استفادت قلة قليلة من ظروف الحرب والاقتصاد غير الرسمي وشبكات النفوذ لبناء ثروات طائلة، مما وسّع الفجوة بشكل هائل.
ان اختفاء الطبقة الوسطى في سوريا ليس مجرد إحصائية اقتصادية، بل هو تهديد مباشر لبنية الدولة والاستقرار الاجتماعي. فهذه الطبقة كانت تمثل “الحزام الآمن” الذي يربط بين مختلف فئات المجتمع، ويشكل حاملاً لعملية التنمية وخزاناً للمثقفين والمستهلكين. و تقلصها الشديد اليوم يخلق مجتمعاً منقسمًا بين فقراء مدقعين وأثرياء قلة مما يهدد أي فرصة للتعافي والاستقرار على المدى الطويل..
سوريا الجديدة لكي تنهض و تتعافى بحاجة إلى إعادة الاعتبار إلى الطبقة الوسطى حاملة التنمية وضامنة الاستقرار الاجتماعي .
دمشق في٢٠٢٦/١٠/٢٨
كتبه الدكتور عامر محمد وجيه خربوطلي
مع تحيات العيادة الاقتصادية السورية
