🔴✅✍️بقلم: مازن كنينه عضو مجلس إدارة غرفة تجارة ريف دمشق
لم تعد قضية التعافي الاقتصادي في سورية مرتبطة بتوافر التمويل وحده، فالأهم من ذلك هو كيفية إدارة الموارد، وتحديد أولويات الإنفاق، وتوجيه الإمكانات المتاحة نحو القطاعات القادرة على الإنتاج وتوفير فرص العمل وتحريك الأسواق. وهذه المعادلة تحتاج إلى إدارة مالية حديثة، تمتلك أدوات التخطيط وتستطيع مواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.
ومن هنا تبرز أهمية الخطوات التي تعمل عليها وزارة المالية خلال الفترة الأخيرة، من خلال توسيع التعاون مع المؤسسات الدولية، وتطوير أدوات التخطيط المالي، إلى جانب تحديث الخدمات الحكومية وتعزيز التحول الرقمي. وهي مسارات تتكامل فيما بينها، وتصب في هدف واحد يتمثل في بناء بيئة مالية أكثر كفاءة وقدرة على مواكبة احتياجات الاقتصاد السوري.
في ملف التعاون الدولي، يحمل اللقاء مع القائم بالأعمال في السفارة الهولندية أهمية تتجاوز إطار العلاقات الثنائية، خصوصاً مع تأكيد هولندا مشاركتها في صندوق دعم التعافي وإعادة الإعمار في سورية (START)، واهتمامها بتمويل مشاريع التقنيات الزراعية. فهذه المجالات تفتح الباب أمام الاستفادة من الخبرات والتمويلات الدولية في قطاعات تحتاج إلى تطوير حقيقي، وفي مقدمتها الزراعة التي تشكل قاعدة مهمة للأمن الغذائي والصناعات المرتبطة به.
ويتكامل هذا التوجه مع المباحثات التي أجرتها الوزارة مع وفد برنامج الأغذية العالمي، ولا سيما ما يتعلق باستقطاب التمويل للبرامج الزراعية والغذائية، وإعداد خطة استراتيجية قطرية للأعوام الأربعة المقبلة. فالأمن الغذائي لا يتحقق بتأمين الاحتياجات الآنية فقط، بل يحتاج إلى تطوير الإنتاج الزراعي، وتحسين سبل العيش، وربط المزارع بالتصنيع والتسويق، بما يخلق قيمة اقتصادية أكبر داخل البلاد.
وعلى صعيد إدارة المالية العامة، فإن العمل مع صندوق النقد الدولي على تطوير إطار التنبؤ الاقتصادي والمالي متوسط المدى يمثل خطوة مهمة في بناء إدارة مالية تستند إلى البيانات والقراءة المسبقة للمؤشرات. فالموازنة العامة ليست مجرد أرقام للإيرادات والنفقات، وإنما أداة لتحديد الأولويات وتوزيع الموارد ومتابعة النتائج.
وتزداد أهمية هذا الجانب في ظل حجم الاحتياجات التي تتطلبها مرحلة إعادة الإعمار، إذ إن التخطيط الدقيق للإنفاق، ومتابعة الدين العام والعجز المالي، وتطوير أدوات تقييم المخاطر، كلها عناصر تساعد على اتخاذ قرارات أكثر اتزاناً، وتمنح المؤسسات الاقتصادية رؤية أوضح للمرحلة المقبلة. كما أن الاستثمار في تطوير الكوادر الفنية داخل الوزارة يشكل جزءاً أساسياً من هذا التحديث، لأن كفاءة الإدارة تبدأ بكفاءة العاملين فيها.
أما التحول نحو الدفع الإلكتروني، فهو من الخطوات التي يمكن أن يلمس المواطن وصاحب العمل نتائجها بصورة مباشرة. فتوسيع خدمات الدفع الرقمي للضرائب والرسوم الحكومية، واستكمال الربط بين المصارف العامة وشركات الدفع، من شأنه أن يختصر الوقت والإجراءات، ويساعد على تنظيم المعاملات المالية ورفع كفاءة التحصيل.
وبالنسبة للقطاع التجاري، فإن تطوير هذه الخدمات ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو جزء من تحسين بيئة الأعمال. فكلما أصبحت المعاملات الحكومية أكثر سهولة وسرعة ووضوحاً، تراجعت الأعباء الإجرائية أمام التجار والصناعيين، وأصبحت البيئة الاقتصادية أكثر استعداداً لاستقبال الاستثمارات وتوسيع النشاط الإنتاجي.
وما يستحق التوقف عنده في هذه التحركات أنها لا تقتصر على جانب واحد من عمل الوزارة؛ فهناك اهتمام بتأمين التمويل الإنمائي، وتطوير التخطيط المالي، وتعزيز الأمن الغذائي، وتحديث البنية الرقمية للخدمات الحكومية. وهذا التنوع مهم، لأن الاقتصاد لا يمكن أن يتعافى من خلال معالجة ملف بمعزل عن بقية الملفات.
ومن موقعنا في القطاع التجاري، نرى أن نجاح هذه المسارات يرتبط بمدى قدرتها على الوصول إلى نتائج ملموسة في السوق، سواء من خلال تمويل المشاريع الإنتاجية، أو تحسين الخدمات المقدمة لقطاع الأعمال، أو توفير بيئة مالية أكثر استقراراً ووضوحاً. فالقطاع الخاص شريك أساسي في مرحلة التعافي، وكل خطوة تسهم في تسهيل عمله وتعزيز قدرته على الاستثمار والإنتاج تنعكس إيجاباً على الاقتصاد ككل.
إن ما تحتاجه سورية اليوم ليس مجرد موارد إضافية، بل منظومة مالية قادرة على تحويل الموارد إلى فرص، والخطط إلى مشاريع، والتعاون الدولي إلى نتائج يلمسها الاقتصاد والمواطن. ومن هذه الزاوية، فإن تحديث الإدارة المالية ليس عملاً إدارياً محصوراً بوزارة بعينها، بل هو استثمار في قدرة الاقتصاد السوري على استعادة قوته وبناء مرحلة أكثر استقراراً وإنتاجاً.
