syriavest
آراءالنخبة

هيبة الدولة السورية تبدأ بالعدل… وتترسخ بقوة المؤسسات والإنتاج

🧠🖊 محمد تيسير طرقجي
1 تشرين الثاني 2026

قرأت باهتمام مقال المهندس بشار محمد علي بوظو حول هيبة الدولة السورية وإعادة الحقوق إلى أصحابها، والذي يطرح قضية وطنية تستحق نقاشاً أوسع: كيف نبني دولة قوية وعادلة، تستعيد ثقة مواطنيها، وتؤسس لمستقبل مختلف عن الماضي؟

أعتقد أن هيبة الدولة لا تتحقق بمجرد قوة القيادة السياسية، ولا بإصدار القوانين والقرارات، بل بقدرتها على تحويل هذه القوانين إلى مؤسسات فاعلة، تحقق العدالة وتحمي الحقوق وتوفر البيئة التي يستطيع فيها المواطن أن يعمل وينتج ويستثمر بثقة.

أولاً: الدولة مؤسسات وليست أشخاصاً

نجاح المرحلة الانتقالية في سوريا يجب أن يقاس بقدرتنا على بناء مؤسسات تستمر وتتطور، بصرف النظر عن الأشخاص الذين يتولون إدارتها.

فالدولة الحديثة تقوم على الفصل بين رسم السياسات وتنفيذها والرقابة عليها، وعلى استقلال القضاء، ووضوح الصلاحيات، والمحاسبة وفق معايير معلنة.

والقيادة السياسية تضع الرؤية والتوجهات، لكن المؤسسات الكفؤة هي التي تحول هذه الرؤية إلى نتائج ملموسة.

ثانياً: إعادة الحقوق أساس الثقة والاستثمار

إن معالجة المظالم المتراكمة، ولا سيما المتعلقة بالملكية العقارية والاستملاك والتأميم وقوانين الإيجارات الاستثنائية، ليست مجرد تسوية لخلافات قديمة، بل ضرورة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.

ولكن تصحيح الظلم لا ينبغي أن يولّد ظلماً جديداً. لذلك لا بد من مراجعة التشريعات وفق مبادئ العدالة الدستورية، وحماية الملكية الخاصة، واحترام الحقوق المشروعة لجميع الأطراف، مع اعتماد آليات قضائية مستقلة للتعويض أو إعادة الحقوق.

فالمستثمر لا يضع أمواله في بيئة لا يعرف فيها مدى استقرار ملكيته، والمواطن لا يشعر بالأمان إذا كانت حقوقه عرضة لقرارات إدارية غير قابلة للمراجعة الفعالة.

الأمن القانوني (Legal Certainty) لا يقل أهمية عن الأمن المادي في بناء الاقتصاد.

ثالثاً: هيبة الدولة في قدرتها على التنفيذ

لا يكفي أن تعلن الحكومة نوايا الإصلاح، بل يجب أن تكون هناك أولويات واضحة، وبرامج قابلة للتنفيذ، وجداول زمنية واقعية، ومؤشرات لقياس الأداء (KPIs).

والمواطن يستطيع تفهم محدودية الموارد وصعوبة المرحلة، لكنه يحتاج إلى معرفة ما الذي ستنجزه الحكومة، ومتى، وكيف ستتم محاسبة المقصرين.

فالشفافية ليست مجرد سياسة إعلامية، وإنما أسلوب في إدارة الدولة، والاعتراف بالأخطاء وتصحيحها يعزز الثقة أكثر من محاولة إخفائها.

رابعاً: العدالة وحدها لا تكفي دون اقتصاد منتج

هنا أرى ضرورة توسيع النقاش.

فالدولة العادلة تحتاج أيضاً إلى اقتصاد قادر على توفير فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة وتمويل الخدمات العامة.

ولا يمكن بناء الاستقرار المستدام على المساعدات الخارجية أو الإنفاق الاستهلاكي أو المضاربات العقارية وحدها.

سوريا تحتاج إلى بنية تحتية حديثة تقود الدولة تخطيطها وتنظيمها، وإلى قطاع خاص يقود الاستثمار والإنتاج والصناعة والتصدير، ضمن رؤية اقتصادية وطنية متكاملة.

ودور الدولة ليس أن تحل محل المستثمر أو الصناعي، بل أن توفر له القانون العادل والبنية التحتية والمنافسة السليمة، وأن تتدخل عند الحاجة لتصحيح اختلالات السوق، لا لإدارة كل نشاط اقتصادي.

خامساً: المواطن شريك في بناء الدولة

من الخطأ أن نحمّل الحكومة وحدها مسؤولية إعادة بناء سوريا، كما أنه من الخطأ مطالبة المواطن بالانتظار دون أن تتاح له فرصة المشاركة.

السوريون في الداخل والخارج يمتلكون خبرات ورؤوس أموال وقدرات علمية وصناعية وتجارية يمكن أن تكون محركاً أساسياً للنهوض.

لكن إطلاق هذه الطاقات يتطلب مؤسسات موثوقة، وإجراءات مبسطة، وقضاء مستقلاً، وفرصاً متكافئة بعيداً عن المحسوبيات والامتيازات.

فالدولة القوية لا تصنع مواطنين تابعين، بل تهيئ الظروف لمواطنين مبادرين ومنتجين ومسؤولين.

الخلاصة: من استعادة الحقوق إلى بناء المستقبل

إن دعم نجاح الدولة السورية الجديدة لا يعني الموافقة على كل قرار حكومي، كما أن النقد المسؤول لا يعني الوقوف ضد الدولة.

المطلوب الانتقال من ثقافة الولاء للأشخاص إلى ثقافة احترام المؤسسات، ومن المطالبة بالحقوق وحدها إلى الجمع بين الحقوق والمسؤوليات، ومن انتظار الحلول إلى المشاركة في صناعتها.

هيبة الدولة تبدأ بالعدل، وتترسخ بسيادة القانون، وتستدام بكفاءة المؤسسات وقوة الاقتصاد المنتج.

وأعود هنا إلى فكرة أؤمن بها:

لا تسأل فقط ماذا ستقدم لك سوريا، بل اسأل أيضاً ماذا تستطيع أن تقدم أنت لسوريا في مجالك ودائرتك وعملك.

فالدولة مسؤولة عن إقامة العدل وتوفير البيئة السليمة، والمواطن مسؤول عن المبادرة والعمل والإنتاج والمشاركة.

وعندما يؤدي كل طرف مسؤوليته، لا نكون قد أعدنا بناء مؤسسات الدولة فحسب، بل نكون قد بدأنا بإعادة بناء الثقة والإنسان والاقتصاد معاً.

فسوريا لا تنهض بشخص واحد، ولا بقرار واحد، وإنما بملايين السوريين الذين يشعل كل منهم شمعة في موقعه، ضمن دولة عادلة وقادرة ومؤسسات تحترم الجميع.

المنشورات ذات الصلة

الشراكة الصينية.. من التجارة إلى الاستثمار الميداني.

Samer Al-Bashlawi

ريما داوود تنسج «بوصلة الحياة» من بيت نزار قباني.. حكايتان يلتقي فيهما الحب والإبداع والإنسانية

Samer Al-Bashlawi

الثروة الكامنة في معالجة النفايات في سوريا

Samer Al-Bashlawi